السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

معارك أدبية

في الفترة الأخيرة انتقلت المعارك من ساحة الكلمة والفكر، إلى ساحة العنف مع صعود التيارات الأصولية والسلفية على اختلاف مسمياتها في ظاهرة غير مسبوقة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(15)]

عرفت الحياة الأدبية العربية على مدى عقود طويلة من تاريخها العديد من المعارك الأدبية، التي كانت تعبر في حقيقتها عن صراع الأفكار والرؤى والتيارات القديمة والحديثة، الليبرالية والمحافظة، القومية والماركسية، في مرحلة كانت فيه المجتمعات العربية تشهد مرحلة من التحول والتفاعل مع الفكر الحديث.

أهمية هذه المعارك لم تكن تتمثل في تعبيرها عن حيوية الحياة الأدبية والفكرية، وتعدّد اتجاهاتها ومواقف رموزها، بل كانت في جزء هام منها تعبيرا عمّا كان يعتمل داخل الثقافة العربية وحركة المجتمع والحياة من حيوية وتطوّر وصراع بين قوى مختلفة، كانت تتخذ موقعها داخل هذا الحراك أو في مواجهته.

بعض هذه المعارك كان تجسيدا لصراع الأجيال بين أنصار السائد وأنصار الجديد، بينما كان بعضها الآخر ذا خلفيات فكرية وسياسية، بحسب طبيعة القضية التي كانت تدور حولها تلك المعارك، كمعركة طه حسين حول الشعر الجاهلي، والمعارك التي دارت حول مسألة الالتزام في الأدب، أو المعارك المتعددة بين أنصار الشعر العمودي وشعراء قصيدة التفعيلة، والمعارك بين أنصار قصيدة التفعيلة وأنصار قصيدة النثر.

في الفترة الأخيرة انتقلت تلك المعارك من ساحة الكلمة والفكر، إلى ساحة العنف مع صعود التيارات الأصولية والسلفية على اختلاف مسمياتها في ظاهرة غير مسبوقة، تحاول فيها تلك الجماعات أن تفرض وصايتها على الفكر والأدب والحياة، ما جعل تلك المعارك غير المتكافئة بين القلم والسيف أو الرصاصة تعكس واقع الانغلاق والتعصب والتأزم، الذي أصبح يسم الحياة العربية الراهنة، وهي تعيش مخاضها الدموي العسير.

الغريب أن هذه الظاهرة رغم فداحة تأثيرها على الحياة والفكر والإنسان لم تدرس سوسيولوجيا على المستوى العربي بالصورة الكافية، ربما لمحدودية العاملين في هذا المجال، أو لغياب الحوافز الذاتية عند المشتغلين في هذا الحقل، الأمر الذي جعل القراءات السياسية في تلك الظاهرة هي الطاغية على صورة المشهد الراهن.

لقد ترافق هذا التصعيد العنيف في المواجهة مع غياب المعارك الأدبية، نتيجة لغياب مناخ الحرية والتهديد الذي بات يشكله الإرهاب للفكر والإبداع، دون أن ننسى تراجع دور الثقافة والمثقف العربي في الواقع، الذي انكشفت كل عوامل ضعفه وتفككه مع سقوط الدولة الأمنية التي كانت تدير أزمة الواقع وتتلاعب بها وفقا لمصالحها.

واستكمالا لهذا الدور كانت هذه الدولة هي من تغذي تلك المعارك، كما كان الحال عليه في مصر السادات ومبارك بهدف إشغال المثقفين بمعارك جانبية، تحول دون تفرغهم لمواجهة استبدادها وفسادها، الذي أنتج ظاهرة التطرف والعنف في المجتمع.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر