السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

رائحة الوطن

المغترب فيه حنين دائم لوطنه ولا يحمله معه كما يقولون، ويستعد لزيارة الأحباء ويترقب وصولهم ويراجع معلوماته عن بلد الإقامة في انتظار أن يقص عليهم ويفرجهم.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(24)]

المغترب يعرف زيارات الصيف السنوية حين يتوافد الأحبة حاملين أشياء جميلة أهمها وجوههم وبسمتهم وبعض الأكلات والخضروات والخبز والجبن. يحملونها ضاحكين ويقيمون لدى المغترب مهما كان عددهم ومهما كانت سعة بيته.

المغترب فيه حنين دائم لوطنه ولا يحمله معه كما يقولون. ويستعد لزيارة الأحباء ويترقب وصولهم ويراجع معلوماته عن بلد الإقامة في انتظار أن يقص عليهم ويفرجهم. يذاكر تاريخ الكاتدرائيات التي سيزورونها ويخشى أن يخطئ في تاريخ الفتح النورماندي، في حالة إنكلترا، ويحفظ أسماء المواقع ويخطط للترفيه عنهم مثل مرشد سياحي.

لكن الأحبة القادمين تهمهم معرفة واحدة. كل أسألتهم تدور حول أسعار الأشياء. يريدون معرفة سعر كل شيء يخطر على بالهم من إطارات السيارات إلى القرنابيط. كم ثمن إطار السيارة المتوسطة هنا؟ أقول “لا أدري ولكن أسمع وليام الفاتح أنزل قواته قرب هيستنغ عام 1066” فتقاطعك امرأة “هل عندهم قرنابيط؟ وما ثمنه”؟ أقول انتبهوا إلى أن الكاتدرائية التي ترونها تضم طرزا معمارية من عصور مختلفة وكيف هي تنمو فيتدخل رجل فارضا سؤالا عن سعر المطرقة العادية أو لمبة النور، وهكذا.

وأذكر مرة أنني زهقت من أسئلة الأحبة ورحت أعبث وأكذب لإزجاء الوقت. كانت هناك سيدة تريد أن تعرف اسم النهر في لندن، فقلت هذا نهر التيمس والإنكليز مولعون بجماله إلى حد أن عندهم أغنية تقول “امتى الزمان يسمح يا جيمس وأقعد معاك على شط التيمس”.

فصرخت السيدة وقالت بسخط: هؤلاء حرامية والأغنية مسروقة من عبد الوهاب الأغنية الأصلية يقول فيها “امتى الزمان يسمح يا جميل وأقعد معاك على شط النيل”.

يعني إنها صدقت فعلا أن الإنكليز يؤلفون أغان بالعامية المصرية ويسرقون من عبد الوهاب.

يقضون وقتهم في التسوق. وفي المساء يعرضون على بعضهم البعض ما اشتروه في ساعات النهار كلها. وبموجب هذا الجدول الصارم ينتهي بي الحال مؤنسا لأبناء السيدات اللاتي يقضين اليوم بأسره في المحلات. وأطفال الوطن لا يستهويهم شيء. لا شيء مألوفا لديهم في إنكلترا.

كان معي يوما طفلان من هؤلاء أحدهم في سن السادسة والثاني في سن الرابعة. اهتديت إلى طريقة لأسعدهما وأرفه عن نفسي وأثأر منهما أيضا. منحتهما شيئا يفهمانه جيدا بأن أخذتهما إلى محل أحذية كبير جدا. وقلت لهما تستطيعان أن تختارا أي حذاء يعجبكما نسائيا كان أم رجاليا، على ذوقكما، وتأتياني به وأنا أتعهد بضربكما بذات الحذاء المختار على الرأس. طارا فرحا. وراحا يجلبان كل صنوف الأحذية متسابقين قائلين “عمو أنا، عمو أنا”، والأحذية تنهال على رأسيهما وأنا مبتهج وهما سعيدان والعاملات في المحل ينظرن إلى ما يجري بصبر.

لم نعد نستقبل حاملي رائحة الوطن للأسف. فقد تكفلت هواجس الأمن في أوروبا بقمع القادمين من الشرق الأوسط وصار الحصول على الفيزا حلما لا يتحقق.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر