الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الفضائية لا تعرف ما تقول

تمسك الفضائية العربية موضوعا يتعارض مع توجهات طرف آخر فتمعن فيه بحثا وتشريحا وتقلبه على كل جوانبه ولا تترك منه شيئا لتأكيد العداء المطلق للخصم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(18)]

تحاول وسائل الإعلام التمسك باستراتيجية ورؤية واضحة تساعدانها على تأسيس بيئة عمل لدى محرريها ومن خلال برامجها لكي يسيروا وفق تلك الرؤية الواضحة، يحصل ذلك في أغلب وسائل الإعلام الغربية التي وإن كان المتغير السياسي يلعب دورا في تعديل رؤيتها أو مسارها، إلا أنها لا توقعها، إلا نادرا جدا، في حيرة من أمرها في كيفية مقاربة الحدث.

أما على صعيد الإعلام العربي، وكما هي الشخصية العربية، هنالك حماسة تقترب من المبالغة والإسراف، تمسك الفضائية العربية موضوعا يتعارض مع توجهات طرف آخر فتمعن فيه بحثا وتشريحا وتقلبه على كل جوانبه ولا تترك منه شيئا لتأكيد العداء المطلق للخصم، وهكذا تمضي الفضائية بسفينتها وطواقمها في إنجاز حملاتها الإعلامية وكأن الإعلام برمته يتخلى عن وظائفيته المتعارف عليها في التنوير والفعل الاجتماعي وتنمية الوعي وحرية التفكير واعتماد الرؤية النقدية، لتقابل ذلك نزعة أخرى منغلقة على نفسها وأكثر تشددا لتحشد كل الأدوات لتفنيد الخصوم والإجهاز عليهم.

وكمثال على ما ذهبنا إليه، أشيع يوما ما أن العلاقات السعودية – المصرية ليست على ما يرام، لكن لم يظهر مسؤول لا سعودي ولا مصري يؤكد ذلك، راهنت الفضائية أو عدة فضائيات على وجهات نظر إعلاميين مصريين أو سعوديين أدلوا بدلائهم من خلال برامجهم، قائلين إن تلك العلاقة ليست على ما يرام، مباشرة استغلت الفضائية الفرصة وراحت تعتمد تصريحات الإعلاميين من الطرفين دستورا وقانونا، وأن أولئك الإعلاميين من الطرفين هم من المقربين من سلطات البلدين ولهذا فلا شك ولا ريب في وجود تلك الإشكالية وتزيد عليها الفضائية تحريضا على مزيد من القطيعة .

وكما في الدراما التلفزيونية سيقع حدث غير متوقع سيصعد حيوية العرض كله ويتيح متعة أكبر للمشاهدة، فجأة يحل مسؤول سعودي رفيع في الديار المصرية وبشكل متسارع، يحضر عرضا عسكريا ويصدر إعلانا يعبر عن متانة العلاقات بين البلدين ويتصل الملك بالرئيس في تصاعد دراماتيكي آخر، فإذا ما استخدمت الريموت كونترول، أيها المشاهد اللبيب، واتجهت صوب تلك الفضائية إياها وتساءلت ما قولها فيما جرى؟ وأين طبولها ومزاميرها؟ والملفات المكدسة وأكوام الورق والتقارير التي أنفقت عليها مالا ووقتا وجهدا وطواقم مراسلين وضيوفا للعزف على وتر الخلاف والقطيعة وإذا بها غير موجودة إلا في الخيال وسوء الظنون.

هنا كأنك بالفضائية أو العديد منها، متلعثمة حائرة، متخبطة لا تدري ما تقول وبم تجيب جمهورها الذي دربته طويلا على قطيعة أو شبه قطيعة مصرية – سعودية.

هو مثال صارخ على ما أشرنا إليه آنفا بصدد الفرق بين إعلام يبني رؤية بعيدة ومقاربات تقترب من الاستراتيجيات الشاملة إلى انشغالات تكرس فورات الانفعال وتشحذ في المناكفات والقيل والقال والنيل من الخصوم بطريقة لا تخلو من مراوغة واستغفال للمشاهد والقارئ، وتعويده على نسق إعلامي جديد ينتج جمهورا خاويا، مفرغا من الموقف والثوابت وليتحول كما الوسيلة الإعلامية منشغلا بصغائر الأمور، لكن حيلة كهذه قد تنجح مؤقتا فتشفي غليل المؤسسة الإعلامية لكنها لا تقيم علاقة وطيدة مع جمهور عريض مفعم بالثقة بما يشاهد وليس مخدوعا ومضحوكا عليه.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر