السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

تلال النفايات الضاحكة

هاهي بيروت وقد تخلت بدورها عن أقنعتها المضيئة بالألوان لتظهر التعفن الذي طرأ على جسدها من فعل الفساد السياسي والتشرذم الطائفي وآثار الحروب المحيطة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/08/13، العدد: 10006، ص(16)]

منذ سنوات عديدة استشعر معظم العاملين في تلفزيون المستقبل نهاية العصر الذهبي الذي عرفه التلفزيون لجهة حضوره الإعلامي وأهميته الريادية. وكانت فئة كبيرة منهم، من الذين انتموا إلى هذه المؤسسة انتماء يكاد يكون عقائديا، يشعرون بروحهم تمتلئ مع الوقت بالمرارة لدى رؤيتهم الفساد وهو يمتد إلى جميع أوصالها.

بعد فترة غير قصيرة من الاستنزاف المُمنهج عمد طرف من الأطراف المتصادمة في البلد إلى حرق مبنى التلفزيون الكائن في منطقة الروشة. عند الصباح الذي تلا الحادث دخلنا إلى المبنى.

استقبلتني رائحة الحريق فأعادتني إلى سنوات الحرب حين كنا نخرج من الملاجئ فنشتم عطر الصباح المختلط برائحة البارود. كم كان لهذا الاختلاط رونق غرائبي بدأت أدرك معانيه اليوم.

في المبنى المحروق كان الرماد يغلف ما تبقى من أثاث وآلات، وسخام الحريق قد التصق بالجدران مقرونا بعتمة خرقها الضوء الداخل من النوافذ.

وكانت أكوام النفايات التي أفرزها الحريق محصورة في زوايا الغرف قبل أن يصار إلى إخراجها.

الغريب أنني ولأول مرة ومنذ سنين عديدة شعرت بالمبنى وقد تعرّى من أقنعته، فبات حقيقيا يعكس حقيقة ما آل إليه بعد انقضاء الفترة الذهبية وخلال “الهريان” الذي كان بدأ ينخر بنيانه.

لأول مرة لم أشعر بحاجة لكي أضع، وبدوري، أقنعتي الخاصة التي ولسنين طويلة حمتني من الانزلاق في متاهة القنوط والعفن الذي ضرب هذا المكان المُحبب، والذي كان قد ارتبط طويلا بأحلام المستقبل.

إذن في ذلك المكان الذي لفظه ضوء الحقيقة المُرّة يعود إلى الذاكرة أمام مشهد بيروت الغارقة في النفايات ولأكثر من ثلاثة أسابيع تحت حرارة الشمس الساحقة.

هاهي بيروت وقد تخلت بدورها عن أقنعتها المضيئة بالألوان لتظهر التعفن الذي طرأ على جسدها من فعل الفساد السياسي والتشرذم الطائفي وآثار الحروب المحيطة.

اشتعلت شبكات التواصل الاجتماعي نقلا لصور ما جرى على تسميته بـ”أزمة النفايات اللبنانية”. صور مُطعّمة برسومات ساخرة ولوحات فنية مستوحاة من مشهد الحاضر الصادق والمؤكدة على فداحة ما يرشح، ولأول مرة بهذه الصراحة المخيفة.

العديد من الفنانين اللبنانيين التشكيليين من أمثال أسامة بعلبكي وسعيد بعلبكي وسمير خداج عبروا عن مفهوم الركام والردم والمهملات في بعض أعمالهم، ولكن ما يمكن ذكره الآن هو عمل للفنان التشكيلي والمصور البرازيلي فيك مونيز الذي استعان بالشاب المسؤول على فرز النفايات الموضوعة في مكان من أكثر الأمكنة فقرا في البرازيل، لكي يرسمه غارقا في النفايات المُعدة للفرز في عمل فنيّ معبّر، له دلالات سياسية واجتماعية، يستعيد فيه اللوحة الرائعة والشهيرة للفنان الفرنسي جاك لوي دافيد التي تحمل اسم “موت مارا”، وتجسّد البطل الفرنسي القتيل وهو غارق في دمائه داخل حوض الاستحمام.

وكان “مارا” يمثل الشعب الفرنسي ويمثل أيضا القلم والصحافة الحرة المتلائمة مع الثورات المُحقة.

من ناحية أخرى فإن الجانب الساخر والقاتم والمتعلق بالسلطة الحاكمة وكذلك الأمر بالشعب اللبناني الذي اعتاد السكوت عن حقوقه، فهو ممثل شرّ تمثيل في مجموعة من اللوحات للفنان الصيني المعاصر يو مينغوم والتي تحمل عنوان “تلال النفايات”، ويصور فيها مجموعة كبيرة من الرجال على صورته، بضحكتهم الشهيرة بفجاجتها وفظاعتها، وهم يشكلون تلالا من القمامة.

والأهم من ذلك أن الفنان استوحى سلسلة أعماله تلك من القصيدة النثرية للشاعر الأسباني فيرناندو أرابال التي يقول فيها “ها نحن نتراكم لنصنع تلة مقززة من القمامة، وعلى الرغم من هذا نحن سعداء ونضحك”.

المشهد بيروتي، الفنان صيني، والشاعر أسباني.. أما الموضوع فهو تلال الغثيان العارم غير القابلة للاحتمال.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر