السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

خارج أقفاص اللغة

تمرّد الشعر هو تمرد مزدوج، تمرد باللغة على اللغة، وتمرد على ذاته بوصفه حالة تجاوز مستمرة لما استقرت عليه الحالة الشعرية السائدة، وتوسيع دؤوب ونوعي لتخوم تلك الحالة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/08/18، العدد: 10011، ص(15)]

يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، عبارة طالما كان أساتذة اللغة العربية يرددونها على مسامعنا عند دراسة الحالات التي كان الشاعر يخرج فيها على قواعد اللغة، خصوصا بالنسبة إلى القافية في القصيدة العمودية. هذا الاستثناء الذي منحته اللغة العربية للشاعر ينبع من حقيقتين اثنتين، أولاهما تتعلق بالموقع الخاص الذي كان يحتله الشعر في الثقافة العربية، وثانيهما تنبع من إدراك القيمين على اللغة بأن الشعر هو عملية خلق جديدة للغة، أو هو بالمعنى المعاصر لغة داخل اللغة.

لقد تمرد الشعر على قواعد اللغة منذ البدء، وخلق لغته المتعالية على ما تواضع علماء اللغة عليه من تقعيد لها، فكان اعتراف اللغويين بذلك إقرارا بسحر هذه اللغة، فرض عليهم الإقرار بحق الشعر في أن ينتهك قواعد اللغة، ويعيد بناءها على نحو جمالي خلاق ومبدع، طالما أن مخيلة الشاعر، وعلى إيقاع ذلك الدفق الشعوري الخاص، هي التي تعيد بناء اللغة والعالم والذات داخل صيرورة العملية الإبداعية، على نحو يتجاوز السياق المتعارف عليه للغة.

إن هذه الخصوصية التي استطاع الشاعر منذ القديم أن ينتزعها بجدارة، لم تكن سوى انعكاس لرؤية العربي القديم إلى الشعر، بوصفه حالة ميتافيزيقية، تتجلى في قدرة الشاعر الخاصة على هذا اللعب الجميل باللغة، وإعادة بنائها على نحو مفارق ومدهش.

تحيل في غرابتها على قوى غيبية كالسحر والجن، الذي تنوعت أجناسه بين ذكر وأنثى، وفقا لطبقات تمّ ترتيب مكانة هؤلاء الشعراء على أساسها، استنادا على القيمة الجمـالية التي يحوز عليها شعرهم.

لكن هذا الشعر وبحكم ما يمثله من عملية خلق وتجاوز دائمة، لم يتوقف تمرده على اللغة وتوسيع حدود فضاءاتها وإعادة تشكيلها مع الشاعر القديم، بل دخل منذ العصور التالية مراحل مختلفة وجديدة من التمرد والتجديد، عكست قدرة الشعر المستمرة على التطور والخلق وتجاوز ذاته، في حين بقيت اللغة أسيرة قواعدها، ووظيفتها التداولية.

لقد كان الشعر ومازال حركة إبداع وتجديد مستمرتين باللغة ومعها، تعكس من جهة انفتاح الشعر على الحياة.

ومن جهة ثانية تكشف عن الطبيعة الخلاقة والواسعة للمخيلة الشعرية، وقدرتها على تجاوز المألوف لغة وتشكيلا في مغامرة لا تتوقف عند حدود اللغة، وإن كانت اللغة هي الحامل لها في هذا التجاوز المستمر للسائد من الكتابة الشعرية.

تمرّد الشعر هو تمرد مزدوج، تمرد باللغة على اللغة، وتمرد على ذاته بوصفه حالة تجاوز مستمرة لما استقرت عليه الحالة الشعرية السائدة، وتوسيع دؤوب ونوعي لتخوم تلك الحالة الضاربة بعيدا في عمق أرض الخيال الجامح.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر