الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

أفكار حول الشاعر والقصيدة والمغامرة مع اللغة

القصائد الشعرية العربية رفيعة المستوى كائنات غريبة نزيلةُ عزلة مريبة في جغرافيا شعرية احتشدت وترامت، وهامت في عزلاتها وظلالها.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/10/13، العدد: 9349، ص(11)]

قصائد الشعراء تشبه حقول الألغام. وعن نفسي أشك، الآن، أن يكون كثيرون من القراء العرب قد وقعوا في هذا الحقل من الألغام أو ذاك. ما من مُصاب بسبب قصيدة، أو بيان في قصيدة، إلا إذا كان قارئاً وقراءته تكتب القصيدة! كل شيء يبدو لي الآن صامتاً على هذا الميل من الخبرات الشعورية واللغوية وتلك العلاقات الدامية في الأشياء وبين الأشياء التي تصنع الشعر وتصنع القصيدة.

وفي مناسبة الأسئلة التي تطرح على الشعراء ليتحدثوا عن تجاربهم، هل يمكن لشاعر أن يستخف بتجربته الشعرية وبالتصورات التي حملها عن الشعر، ويذهب ليمدد كائناته الغريبة على سرير قارئ مفترض، وبيده التي كتبت يفتح الجرح ثانية ليقرأ؟

***

سألني شاعر وناقد عربي ما إذا كان الديوان الشعري الأول لشاعر هو إعلان أو بيان شعري شخصي بالنسبة إليه، أم أن مفردات وطموحات هذا البيان - إن وجد - تتوزع عادة على أكثر من ديوان له؟

ومن تجربتي رأيت أنه إذا كانت قصيدة الشاعر هي كل بيانه الجمالي، فإن بياني موجود في شعري، وما قصيدتي إلا اقتراح جمالي خاص وبيان رؤيوي.

لكن هذه الرؤيا الشعرية للذات في علاقتها بالعالم مجسدة في قصيدة أو ديوان، هي، باستمرار، متغيرة وبالتالي متعددة الأوجه والزوايا، هذا ما يمكن أن تقوله التجربة نفسها، لو استُنطقت. لكن هذا لا يحدث، فالقراءة المبدعة في ثقافتنا الشعرية العربية شبه معطلة، ولا أجازف بالحقيقة إذا قلتُ إن الآثار الشعرية العربية الحديثة غير مقروءة. بل إنها أحياناً، غير مقروءة بتاتاً حتى ممن يباهــي بمعرفته بها.

القصائد الشعرية العربية رفيعة المستوى كائنات غريبة نزيلةُ عزلة مريبة في جغرافيا شعرية احتشدت وترامت، وهامت في عزلاتها وظلالها جمالات ومسوخ معاً، مؤثثة بوجودها الملتبس ما يشبه عالماً سفلياً علاقاتُ الأشياءِ فيه تنهض على درجات مريبة من امحاء العلامات وضياع الفروق! وهذا حدث بفعل رواج الإعراض عن فكرة المعيار في الشعر.

***

في العميق من تجربة الشاعر، في موقفه من العالم، في رؤيته نحو الأشياء بينما هي تبدل مظهرها وتحتفظ بماهياتها، في علاقته المعقدة باللغة هناك فكر وتفكير وتفكر، وهناك التأمل في الكينونة والمصير الإنساني، وهناك ذكاء مشع من جراء فرح الشاعر بالوجود. في شعر الشاعر أدلة على ذلك. لكن ليس هناك بيان فكري، دليل يضلل قارئاً، بزعم أنه سند يدعم الباحث في الجمال.

***

يعوزني المصباح الذي يعوز قارئاً لقصيدتي، وكذلك العينان اللتان شعتا بمكر القارئ. لم أنجح في أن أكون هذا الشخص.

***

بهذا المعنى قصائدي هي بياناتها. وكل محاولة سابقة لي ورطت بها نفسي لبناء بيان في الشعر داخل القصيدة أو خارجها، في هوامش حياتي الشعرية، كانت محاولة لاختلاق ما، تركتُ تلقائيتي العالية في كتابة القصيدة تخالفه، وتفارقه. لا أقصد هنا أن أكون بريئاً (بلا شاغل فكري) أو حتى أن أوحي بشيء من هذا، فلطالما كان الشعر لي لعباً، ودربة، وحذقاً، إنما على نحو يتيح للرهافة أن تفعل فعلها، وللجارح أن يكون له حيز، وللكينونة الصغرى أن تنفتح على الكينونة الأم، وللشراسة غالباً أن تكون الروح الحقيقية للرقة في الشعر.

أنظر إلى التلقائية في الشعر بصفتها التدفق الجارف في نهر أسرته ضفتاه. والشعر عندي طلاقة الروح وانضباط اللغة. ولكن حتى هذه الاستعارة تبدو لي ناقصة، لأن المسألة في الشعر على درجات من التعقيد والإلغاز.

***

خلال سنوات التسعينات كتبت كثيراً عن شعر شعراء أحببتُ، ثم اكتشفت أن كتاباتي عنهم كانت كتابة عني، أعني أنها كانت تلمسات لفحص مفهومي للشعر أكثر منها مغامرة حقيقية في قراءة نصوصهم. كنت أنطق عن هوى خفيٍّ. اكتشاف هذه المسألة جعلني أتوقف عن هذا الضرب من الكتابة. كنتُ فاشلاً منذ البداية.

وعرفت أنني سأظل هذا الفاشل لعلة في أصل المحاولة. والآن يخيل إليَّ أن أكثر المحاولات نفاذاً إلى قلق الجمال في الشعر هي تلك التي لم تصف، وإنما فعلت، وأعني بها إشارات وومضات شعت من سطور حرة في قصائد الشاعر. أما الديوان الأول لشاعر فهو عتبة النوايا البريئة التي دخل منها إلى الجحيم.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر