الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمر في اللوحات

حتى الفن التجريدي لم يسلم من أتون القيظ، إذ لفح الأشكال بناره فتجمّرت أمام المشاهد محاطة بهالات من ضوء دافئ وشمته حروف عربية نارية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/08/20، العدد: 10013، ص(16)]

أصيب معمل لصناعة الحبال البلاستيكية بعدة قذائف في ليلة من ليالي الحرب اللبنانية، فنشب حريق لم يقوَ فريق الإطفاء على إخماده إلاّ بعد أيام. لبثنا لعدة أيام وليال نسبح في لزوجة غريبة كثف من ثقلها أننا كنا في فصل الصيف الحار.

كانت رائحة البلاستيك المحترق تطوف في جوّ الحيّ، والصمت ضاغط، وكأن رائحة البلاستيك المحترق كمّت أنفاس الشارع وألصقت الناس ببيوتهم.

كنت أرى في البداية أعمدة الدخان، ثم خلال الأيام التي تلت صرت أرى، وكأن تساقطا لأجنحة عصافير صغيرة، في هبوط بطيء ومترنح لقطع شبه شفافة وبالغة الصغر من البلاستيك المحروق والملون.

أذكر جيّدا أن الأحمر والرماديّ المسوّد كانا أكثر لونين “رافدين” من موقع الحريق كمُمزقات لألوان كانت بالأمس ناصعة وحيوية. كنت أتحسس تلك القطع بأصابعي وأشتم رائحتها وكما لو أنني محقق غبيّ يريد أن يعثر على رابط ما بين الحريق وأثره.

لعل أكثر ما يذكرني بهذه التجربة، أعمال الفنان الألماني جرتهرلد رختر. أقصد تلك الصور من أرشيفه العائلي أو التي استقاها من الإعلام، ثم وضع فوقها فواضل لألوان أكريليكية، وخاصة باللون الأحمر.

ألوان بلاستيكية “مُذابة” تتداخل في ما بينها، وكأنها تحت تأثير حرارة مجهولة تسيل وتلطخ حينا وتشفّ وتتكثف حينا آخر. إنها لوحات تجريدية تواجه المعنى بنقيضه أو تُتممه. كما تضع التجريد والتشكيل، والرسم والتصوير في حالة لاتوافق تنتج عنها ولادة مصنع من الأفكار والمشاهد الكارثية.

هذا الجوّ الجحيميّ المشحون بالتناقضات والذي يقدم اللون كمادة مشتعلة وشاعلة وليس كعنصر تلوينيّ، نراه في عدد كبير من اللوحات العربية الحديثة، إذ يبرز الأحمر كمادة حسية تتّحد مع عناصر اللوحة.

ليس في وسعك رؤية لوحة الفنان التشكيلي عمران يونس التي تظهر وجها أحمر اللون يضع صاحبه كفه فوق جبينه وكفه الثانية على ذقنه، إلاّ وكأنه يتفادى حريقا ما هو أصلا مجبول به.

خالد الخاني فنان آخر، من أعماله لوحة فيها رأس بشري يلجم غيظه بصمت لا معقول، ملطخ بدماء نارية تكاد تكون هي العامل الناحت له.

نذكر أيضا لوحة للفنان نهاد الترك، حيث انصهرت فيها الهامة البشرية مع حمرة خانقة، فبات على المشاهد أن يكتشف أي موضع من هذا الجسد المصهور لم تمسّه النار فأبقت على جزء من صورته الأصلية.

هناك أيضا نوع من اللوحات شحن فضاؤها بحمرة حسية حاصرت الشخوص من كل الاتجاهات بهدوء وكأنها قدر لا اعتراض عليه، نذكر منها لوحات رائعة للفنان إسماعيل نصرة.

عرف عن هذا الفنان رسمه لنساء بشاعرية خاصة بعيدة عن الرومانسية المعسولة، لوحاته الأخيرة لم تتخلّ عن رسم المرأة، ولكنه أظهرها متشحة بحمرة داكنة ومغتسلة بدماء كونية لم تقو بالرغم من ذلك على سلبها من نُبل ملامحها أو هيبتها الجسدية.

حتى الفن التجريدي لم يسلم من أتون القيظ، إذ لفح الأشكال بناره فتجمّرت أمام المشاهد محاطة بهالات من ضوء دافئ وشمته حروف عربية نارية. نذكر هنا لوحات للفنان رافع الناصري، والفنان عبداللطيف الجيمو.

هذه اللوحات غير الملونة بالأحمر، بل المعجونة به هي كما في لوحة رائعة للفنان عمران يونس التي تتجلّى فيها صورة امرأة تتقوقع في دائرة رمادية يبرز فيها جنين أحمر، إنه صراع ضدّ الموت وهو أمنية العودة إلى رحم الأم الآمن.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر