الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الطريق الحمساوي نحو أوسلو 2

حماس اختارت السلطة الضعيفة في غزّة على العمل المسلح، عبر القبول باتفاق تهدئة طوية الأمد بوساطة تركية مع إسرائيل.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/08/20، العدد: 10013، ص(9)]

منذ أن اختارت قيادة حركة حماس، الاستقرار في إسطنبول وأنقرة والدوحة عوضا عن بقيّة العواصم العربية والإسلامية، كان من الواضح أنّهما تمهّدان الطريق للدخول في الزمن التفاوضي ومن بعده عصر التسوية مع إسرائيل.

لم يكن من الممكن الادعاء بقدرة القيادة الحمساويّة على تحمّل استحقاقي المقاومة من جهة والسلطة الجزئية في غزّة من جهة ثانية، دون تناقض بين المسؤوليتين، ذلك أنّ فكرة السلطة الفلسطينية التي كانت مخاض مسار تفاوضي منذ مدريد ونيويورك 1990 و1991 و1992، بني على أسس الاعتراف بـ“حدود إسرائيل” و“أمنها” ورفض العمل المسلح ضدّ الكيان الصهيوني وهو ما ترفضه الفصائل الفلسطينية وما كانت ترفضه حركة حماس.

إذن اختارت حماس السلطة الضعيفة في غزّة على العمل المسلح، عبر القبول باتفاق تهدئة طوية الأمد بوساطة تركية مع إسرائيل بما يحمله هذا الخيار من نكوص عن مبدأ المقاومة المسلحة كخيار واحد لتحرير فلسطين، والدخول بالتدريج في منطق “ضرورات السلطة” و“مقتضيات الأمن” وحتّى المقاومة الشعبية السلمية عبر دقّ الطناجر في غزّة.

كان من الواضح أنّ هجرة حماس السياسية والعسكرية إلى إسطنبول والدوحة ستكون جزءا من مشهد إقليمي جديد تتطبّع فيه الحركة بطابع “المقاومين الجدد” المتمثل أداؤهم في التحالف الإستراتيجي مع أميركا وفي الاختلاف التكتيكي البسيط مع إسرائيل، وفي عقدهم لـ”اتفاق” صامت مع إسرائيل يقضي بالتعاون في الأمور الجوهرية وبالتباين في الأمور الشكلية، بما يسمح للطرفين بإعلان حرب إعلامية ضدّ بعضها للاستهلاك الداخلي والتسويق الخارجي.

كما اختارت “فتح” العاصمة تونس لتدشين مسار من التفاوض السري والعلني مع إسرائيل بعيدا عن أعين القوميين والوطنيين اليساريين الفلسطينيين الذين تشتتوا بين دول المشرق العربي، والدول الإقليمية الكبرى المعارضة في ذاك الوقت للتطبيع مع إسرائيل، اجتبت حماس اليوم تركيا ذات التاريخ القديم في العلاقات مع إسرائيل وصاحبة أوّل سفارة إسرائيلية في العالم الإسلامي، لتدشين مسارها التفاوضي مع الكيان الصهيوني، وفي الحالتين غادرت كلّ من فتح وحماس الشام، لبنان وسوريا، لتيسير الوصول إلى قلب إسرائيل، ومن ثمّة العودة إلى الشام الأخرى، فلسطين، بلون جديد وتفكير ومقاربة مثيلين لتفكير ومقاربات “المقاومين الجدد”.

صحيح أنّ اتفاق التهدئة المزمع إبرامه بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة تركية لا يعني الوصول إلى اتفاق نهائي يفضي إلى الاعتراف الثنائي، بيد أنّ جلّ الاعترافات الثنائية بدأت من نقطة “التهدئة الثنائية” التي تفضي بإقرار مشترك بوجود سلطة أمر واقع في غزّة من جانب، وعلى باقي التراب الفلسطيني المحتل من جانب آخر.

بان بالكاشف أنّ التنازلات المبدئية والإستراتيجية التي قدمتها حركة حماس بعد انتخابات 2005 لنيل الاعتراف الدولي بها ورفع الحصار عن قطاع غزة لم تكن تنازلات لصالح الشعب الفلسطيني، وإنما كانت رسائل مضمونة الوصول للمجتمع الدولي بقابلية “التغيير” و“التطبيع” مع إسرائيل، وبإمكانية التعديل لنيل “التأهيل” الدولي.

تجانب التحليلات السياسية القارئة لاتفاق الهدنة وفق ضرورة الالتفات إلى الداخل الفلسطيني واستحقاقات الإصلاح داخل الحركة، حيث أنّ الاتفاق سيجعل من حماس أولا حركة سلطة، على شاكلة الأحزاب الدولة في الأقطار العربية الاستبدادية، وثانيا أنّ الاتفاق سيبني معادلة جديدة في غزّة قوامها أنّ الأصل هو الهدنة والاعتراف بمصالح إسرائيل، والاستثناء هو الحرب مع تل أبيب، وهي معادلات تناقض أي منظومة تحريرية في دولة رازحة تحت الاحتلال.

كانت فتح قبل اتفاقيات أوسلو في 1993، قائدة للعمل المسلح ورائدة في العمل الوطني وأنتجت جيلا من المثقفين السياسيين والشعراء والمقاومين مثلوا رأس مال رمزي ثوري للحركة ولتضحياتها، اليوم للأسف لم يبق من فتح سوى أشلاء سلطة متناثرة ومتقاتل حولها بين أبناء الحركة أنفسهم.

الغريب أنّ حماس التي تضع اليوم خطواتها الأولى في مسار أوسلو 2 ترى حصاد أوسلو 1 على فتح وعلى القضية الفلسطينية وعلى العمل السياسي الفلسطيني، بيْد أن الخطير أنّ التاريخ لا يعاد في الزمن إلا على شكل مأساة، فاليأس الذي جاء بحماس إلى غزة قد يأتي بالدواعش وأصحابهم إلى القطاع المنكوب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر