الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

القارئ والتراث

إمكانية التفرغ لقراءة هذه الكتب التي اعتمد فيها المؤلف العربي قديما صيغا وأساليب تتناسب مع روح زمانه لم تعد ممكنة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/08/25، العدد: 10018، ص(15)]

محاولات عديدة قامت بها جهات ثقافية عربية لإعادة تقديم التراث إلى القارئ العربي بصورة حديثة تجعل قراءته ميسرة وسهلة المنال، وتحافظ من خلالها على علاقة الاتصال والتواصل بين القارئ وتراثه. من تلك المحاولات تجربة قامت بها دائرة التأليف والترجمة في سوريا سابقا، عندما كلفت مجموعة من الكتاب المهتمين بقضايا التراث أن يقوموا باختيار منتخبات من كتب التراث وتقديمها بشكل جديد، يتضمن مختارات مما حوته من معارف وموضوعات.

رغم أهمية المبادرة باعتبارها محاولة للبحث عن وسيلة جديدة تقرب القارئ من تراثه، إلا أنها قوبلت بالتحفظ من قبل التراثيين لأنها تعتمد في اختياراتها على ذوق وتقدير الكاتب الذي قد لا يكون ملما بهذا التراث بصورة كافية، إضافة إلى أن تجزئة موضوعات تلك الكتب تجعل الاطلاع والمعرفة بمحتويات تلك الكتب ناقصة.

أصحاب هذا الرأي لم يقدموا في المقابل أي بديل أو مقترح ناجع تستطيع المؤسسات الثقافية المعنية الأخذ به لتطوير هذه التجربة وإغنائها، نظرا إلى الحاجة الماسة التي باتت تفرضها علاقة الأجيال الجديدة شبه الغائبة بهذا التراث.

دور النشر الخاصة لم تسع من جهتها إلى تطوير وسائل طباعة وتقديم هذه الكتب إلى القارئ العربي، واكتفت بنشرها بالطريقة التقليدية التي اعتادت عليها، مستغلة حاجة الدارسين والمهتمين إلى تحقيق المزيد من الربح والفائدة المادية، دون أن تكلف نفسها عناء البحث عن وسائل جديدة ناجعة يمكنها أن تعزز بها إقبال هذا القارئ على قراءة التراث، وتحافظ على علاقة الاتصال به.

من هنا فإن مسؤولية القيام بهذه المهمة تقع على المؤسسات الثقافية العربية الرسمية، التي يجدر بها أن تدعو مجموعة من الباحثين والمختصين العرب للبحث في وضع صيغة جديدة لتقديم كتب التراث إلى القارئ العربي بصورة جديدة وميسرة تأخذ في حسبانها الحفاظ على القيمة المعرفية والعلمية والأدبية لتلك الكتب، في الوقت الذي تسعى فيه إلى ابتكار أكثر الوسائل والطرق الحديثة لإيصالها إلى القارئ.

هذه الخطوة لا تعني الاستغناء عن كتب التراث القديمة والحفاظ عليها، إذ لا بدّ من التمييز بين القارئ العادي والباحث والدارس الذي يمكنه العودة إلى تلك المراجع والاعتماد عليها في أبحاثه ودراساته. أما بالنسبة إلى القارئ العادي في هذا العصر الذي نعيش فيه أزمة قراءة، فإن إمكانية التفرغ لقراءة هذه الكتب التي اعتمد فيها المؤلف العربي قديما صيغا وأساليب تتناسب مع روح زمانه لم تعد ممكنة، الأمر الذي يفرض الحاجة الماسة إلى تحرير هذه الكتب من تلك الصيغ القديمة للتأليف، وجعلها أكثر تبسيطا وسهولة وتكثيفا، لكي تصبح في متناول القارئ العربي.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر