الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

متاهة على الهواء مباشرة

لاشك أننا أمام مقاربة مختلفة لوظيفة الإعلام الرقمي الذي صار يوما بعد يوم يجذر فكرة الصانعين المتعددين للخبر أو القصة وبمعنى آخر الزوايا المتعددة لفهم القصة الإخبارية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/08/25، العدد: 10018، ص(18)]

تهتم الفضائيات بإنجاز مقابلات على الهواء مباشرة لتدعيم موقفها من ناحية جودة الخبر وجودة صياغته وإنتاجه فضلا عن اعتماد العمق في تحليله، ولهذا تتسابق الفضائيات في إدراج أسماء ضيوفها ولكن بشرط أن يكونوا من صنف واحد هو الموالاة وأن لا يخرجوا على النص.

شاهدنا مرة ضيفا على برنامج لإحدى القنوات وإذا به يترك القصة وينعطف باتجاه سياسة القناة نفسها وتحريفها للحقائق وعدم مصداقيتها فيهاجمها منتقدا وهنا يتداخل المذيع ويجف ريقه لإسكات صوت الضيف مستعينا بمخرج البث وكل الرهط العامل الذي يحملق في وجهه المحتقن منتفخ الأوداج.

هذه واحدة من متاهات “معكم على الهواء مباشرة”، ولتلافيها تعتمد بعض الفضائيات على ضيوف شبه دائمين من الذين لا يتوقع منهم سوء وهم ممن يعزفون نفس نغمة القناة وسياستها مرددين شعاراتها ومواقفها وحملاتها.

ولهذا يخرجون منها في كل مرة بسلام وثمة من يهمس في أذن الضيف أن ثمة مكافـأة بسيطة في طريقها إليكم، هذه متاهة أخرى اسمها التضليل، إذ أن القناة وكأنها في وارد تشكيل رأي مقولب غير قابل للأخذ والرد والنقاش، رأي سيتحول إلى جبهة صلبة قوامها القناة ومن ورائها الضيف أو الضيوف والجمهور، وهي في الواقع متاهة لأن نسبية الموقف تجاه الأحداث وكشف الحقائق هي سمة هذا الإعلام المعولم والرقمي القائم على فكرة التداول الحر للمعلومات وليس الإذعان القسري لها.

على الجهة الأخرى صرنا نشهد نوعا آخر من الضيوف الهوائيين أو الضيوف على الهواء، أولئك الذين لا يحسنون التعامل مع العدسة واعتادوا إما على الكلام في المقاهي وجلسات الأصدقاء أو إلقاء المحاضرات التلقينية على الطلبة والتلاميذ وهذه متاهة أخرى، إذ سينفرط عقد تلك الوظيفة التواصلية مع المشاهد مع ضيف مرتبك على الهواء، جمله مطولة وتوقفاته قائمة على جر الحروف أو تكرار كلمات مثل “في الحقيقة، أو يعني، أو معناها، أو في الواقع، أو والله، أو غيرها”.

وإما ذلك الضيف الذي اعتاد على التلقين الأصم للطلبة والتلاميذ أو الطريقة المنبرية فهو أيضا يؤسس لمتاهة مقابلة، متاهة تتعلق بعدم فهم وظيفة الصورة وأهمية وحيوية الاستعانة بالضيف

لتعميق فهم القصة أو الموضوع المطروح ومنح الفضائية مصداقية إضافية ورصانة وهو ما لا يتحقق مع هذا النوع من الضيوف.

لاشك أننا أمام مقاربة مختلفة لوظيفة الإعلام الرقمي الذي صار يوما بعد يوم يجذر فكرة الصانعين المتعددين للخبر أو القصة وبمعنى آخر الزوايا المتعددة لفهم القصة الإخبارية وبما في ذلك جلب أولئك الضيوف على الهواء لتحقيق تلك الغاية لكنها وظيفة مازال يكتنفها الكثير من الإشكاليات والاستسهال والسطحية في بعض الأحيان على صعيد الإعلام الفضائي العربي.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر