السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

للسياحة أحكامها

السياح مجموعة وظيفية بشرية مثل المحامين أو حتى المماليك، صنف آدمي له منظومته الذوقية والأخلاقية والسلوكية.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/08/25، العدد: 10018، ص(24)]

في وقت ما أو في آخر من كل عام يطرأ تغيير خطير على الملايين من البشر. شيء مثل أطوار الاستحالة لدى الحشرات. ترى رجلا محترما قضى سنين عمره في التحصيل والجد وصار طبيبا وقورا أو باحثا أو مدير مصرف، تراه ينضو عن نفسه ثوب الوقار ويروح يلبس ملابس غريبة وشورتا وقبعة من القش ويصير إنسانا آخر تماما. يصير سائحا.

السياح مجموعة وظيفية بشرية مثل المحامين أو حتى المماليك. صنف آدمي له منظومته الذوقية والأخلاقية والسلوكية. المشكلة في السائح هي أننا كلنا مشروع سائح. يعني لا يوجد أحد محصن من هذا التحول الخطير.

وعندما نصير سائحين تجمعنا روح انتمائية نقابية. عندما يهاجم الإرهابيون السياح ننتفض كلنا ونغضب. يعني لو أن الخبر الذي يأتينا يتحدث عن مجزرة استهدفت محامين أو محاسبين لما غضبنا كل هذا الغضب. هذا يثبت أننا كلنا سياح أو مشاريع سياح. السياحة ليست مجرد سفرة ورحلة، وما هي حالة فقط. إنها ضرب من السلوك أيضا. السائح يتسكع مثل القطط ويستوقفه كل شيء، فضولي وسريع الانبهار. والناس من حوله متضايقون من حركته ويتجاوزونه بسرعة وهو واقف يصور تاكسي أو كلبا مشردا أو محل جزار.

أذكر مرة أني قرأت في صحيفة مصرية أن جماعة من اللصوص هاجمت محلا في وضح النهار وسرقت محتوياته. ويذكر الخبر أن اللصوص كانوا متنكرين بهيئة السياح. يعني السياح لهم زي موحد مثل الشرطة أو الممرضات.

وهم أيضا لا يشترون ما يشتريه الناس. لا تجد سائحا يشتري لترا من زيت عباد الشمس أو صندوق بيض أو خبزا، بل يشتري أشياء مثل جمل صغير من الخشب أو مسبحة لا يمكن التسبيح بها، حباتها بحجم كرات البنغ بونغ. وأشياء غريبة عجائبية لا يمكن أن يشتريها إنسان سوي، لكنها للسائح.

في تونس، كنت سائحا ودخلت محلا يبيع سلعا تذكارية. لسبب أو لآخر، يقدّر صاحب المحل أن كل ما تطلبه وتتوق إليه في حياتك هو صحون على شكل كف آدمي وطفايات سجائر على شكل سمك وبعير من الخشب. اشتريت طبقا على شكل كف من بائع توقعت أن يكون كفه على شكل طبق تضع فيه نقودك، لكن كفه كانت عادية مثل أكفنا.

ومعروض للبيع أيضا طاجن لا يمكن الطبخ به، عليه رسوم أسماك تسبح في بحر. والطاجن لا يفيد طبعا وليس جميلا ويفترضون أنك ستشتريه وأن مكانه في غرفة الضيوف، باعتباره تحفة. وهناك مواعين لا للأكل ولكن للتعليق على الحائط وأشياء سخيفة أخرى.

ولك أن تشتري دمى ألبسوها الزي الوطني للبلد الذي تزوره. لكن الدمى أوروبية الوجه شكلها طفولي محمر الخدود وقد جعلوها ترتدي عقالا ودشداشة أو شاشية على أنها رجل عربي رغم خدود التفاح والعيون الكحيلة والشفاه الحمراء. والملابس التي ترتديها الدمى سيئة التفصيل كثيرة الزواق وكبيرة على الدمية ومنشّاة. كلها تذكر بملابس حميد كارزاي وهيئته الفولكلورية المفتعلة.

الذي يبعث على الاطمئنان أن هذا الطور لا يستمر. بعد فترة أقصاها شهر يعود الإنسان إلى صوابه ويرجع طبيبا عاقلا لكن في بيته بعير من خشب، أو محاسبا ماهرا عنده طفاية سجائر على شكل سمكة أو طاجن مزوق لا يصلح للطبخ موضوع في غرفة الجلوس. وتعلق في الذهن أضغاث ذكريات ومعها تصميم على ارتكاب السفه نفسه في العام القادم.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر