الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

رمز الفجيعة العربية ما بعد الحداثية

صنّف الفنان بأنه تجريديّ الهوى، ولكن لوحاته التي تجسد وجوها وتصوّر أشخاصا لا تقل 'تجريدية' عن باقي أعماله.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/08/27، العدد: 10020، ص(16)]

انتشر الفن التجريدي في المنطقة العربية سريعا بعد أن كُرّس في الغرب وخاصة الولايات المتحدة في فترة الخمسينات من القرن الفائت، كردة فعل على الفن الواقعي/ الاجتماعي الذي كان سائدا في روسيا آنذاك.

جاء الفن التجريدي العربي مشحونا بألوان مشرقية تتجلى على سطح اللوحات كانقشاع ضوئي تأخذ المشاهد إلى ما هو أبعد من تجريدية المشهد المصوّر.

كما دخلت الحروفية إلى فضاء العديد من الأعمال الفنية، مضيفة إليها أجواء صوفية بعيدة كل البعد عن الزخرفية التزيينية.

ومع ذلك تكمن خصوصية الفن التجريدي التعبيري اللبناني في ما هو أبعد من ذلك، إذ ظهر منفلتا في العديد من الحالات من منظومة التجريد التعبيري “التقليدي” المتمثل عموما بتقنية التنقيط ورش الأصباغ، أو رصف الألوان بتركيبات إيحائية، أو سكبها على القماش، إلخ…

الخصوصية تكمن في أنه حتى الأعمال الفنية المصنّفة بأنها تشكيلية وغير تجريدية، تحتوي على نبض تجريدي كما يحتوي الجسد الروح البشرية. ولعل أهم الفنانين الذين جسدوا هذه الخصوصية الفنية هو الفنان فادي برّاج (1988/1940).

فادي برّاج صاحب الطيف الخفيف، والابتسامة الشاحبة الذي لم يصمد طويلا على وجه الأرض فتوفي بعد صراع طويل من المرض.

عايش اندلاع الحرب اللبنانية واستمرارها حتى أصابته نيرانها، فقضت على مرسمه الخاص، الكامن في باب إدريس وسط المدينة، ملتهمة معظم أعماله الفنية.

البعض قال إن لوحاته تلك كانت تحمل في أجوائها النبرة المأساوية التي ألقت بلعنتها على الفنان وعلى مدينته بيروت، بعد فترة غير طويلة على بداية نجاحه الفنيّ.

صنّف الفنان بأنه تجريديّ الهوى، ولكن لوحاته التي تجسد وجوها وتصوّر أشخاصا لا تقل “تجريدية” عن باقي أعماله.

لفادي برّاج عمل فني “مغناطيسي” تشرّب اللون الوردي المتلاشي والمطعّم بأحمر دمويّ متخثّر. يجسد الفنان في هذا العمل “وجها” يلتهم وكأنه تحت سطوة سحر ما، وبواسطة ملعقة طبقا من الطعام “المجرّد” المجهول ماهيته.

لعله طعام كوني مؤلف من شظايا نيازك حادة وشبه مسحوقة، مما قد يبرر ظهور بقعة دم مموهة على طرف عينه الشاخصة في الفراغ. أما فمه ونظرتا عينيه، فليست إلاّ ثقوبا سوداء تستدرج الناظر إلى عمق اللوحة المسطحة ليصطدم بحدودها، فيزداد الشعور بالاختناق.

قد يكون هذا العمل من أروع اللوحات التي وقع عليها نظري، خاصة من ناحية احتوائها لخطاب التجريد الأكثر حميمية في قالب تشكيلي وظيفي بحت، يقتصر هدفه على تظهير التجريد.

يستحيل أن تنظر إلى لوحة فادي برّاج هذه لترى الشخص المرسوم على أنه موضوع اللوحة.. مستعينا بسحر خاص به، عرف الفنان كيف “يهمّش”، في عين الناظر، الرداء الحسي المتمثل في هيئة الشخص المرسوم، كما تمكّن من محو واقعية وجهه وتغييبها عن دائرة بصر المتلقي، عبر التركيز على تعبيرية ملامحه.

هذا الوجه المرئي/ اللامرئي الصامد خلف التعبيرية المطلقة لا يمكن تحديده لمن يكون. يمكن أن يكون لامرأة أو لرجل أو لولد يافع، وانطلاقا من ذلك تكمن أيضا قوته التجريدية المفتوحة على كل الاحتمالات وفق نظرة المشاهد.

هذه التعبيرية التجريدية الكامنة في وجه فادي برّاج ليس لها زمان ولا مكان، ولا يمكن حصرها في شخص واحد له ملامح تشكيلية محددة.

وجه فادي برّاج ليس وجه جائع أو قلق، أو مفجوع… إنه وجه “تجريدي” فارق راسمه ليقف شاهقا وسط جنون الألفية الثانية ليقول: أنا الجوع.. القلق.. أنا الخوف والفجيعة والاختناق.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر