الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

هل يهزم التيار الشعبي العراقي الأحزاب الدينية الحاكمة

الشارع العراقي العابر للطوائف قوة سياسية جديدة لا يستهان بها، قادرة على إحداث تغيير في معالم المشهد السياسي، وتنظيم البيت العراقي وتحجيم دور رجال الدين وإعادتهم لمواقعهم.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/09/01، العدد: 10025، ص(8)]

أبرز ما وصلت إليه مظاهرات العراقيين هو الإصرار على تواصلها، وكشفها لأسباب الكارثة التي يمر بها العراق، بنية النظام السياسي وفشل الأحزاب الدينية (الشيعية والسنية) في ادارة الحكم، وهذا ما ترتعب منه قيادات هذه الأحزاب، وتسعى إلى وضع العراقيل لتعطيلها عن طريق حملات التشكيك بدوافع تلك المظاهرات والعمل على فسخ علاقة المرجعية بها لكونه الحامي الأول لها، وليس رئيس الوزراء حيدر العبادي المضطر إلى مجاراتها وإلا تتحول الشعارات إلى دعوات لرحيله.

قد لا تستمر المرجعية بدعم تلك المظاهرات، إذا ما أخذت مطالبها تقترب من المواقع الحساسة لسلطة الأحزاب الشيعية، ذلك أن مرجعية السيستاني لا يتوقع لها أن تصل إلى مرحلة أن تكون عاملاً مساعدا على ضياع الحكم الديني المذهبي رغم خلافاتها “الحوْزَويّة” مع ولاية الفقيه في إيران. وبالمقابل ليس من المتوقع أن تتقاطع تلك المظاهرات معها، وهذا ما يضع منسقيها وهم من نشطاء التيار المدني أمام مسؤولية قدرة التصرف وعدم الوقوف في منتصف الطريق وتلقي الضربة من قبل الأحزاب الحاكمة التي وصلت إل حافة الانهيار.

تجاوزت المظاهرات حاجز الخوف ودخلت في مكاشفة بين الشعب وحكامه من الأحزاب الدينية، وفي أهم قضية هي قضية الفساد المالي والإداري والنهب العام لثروات العراق، وسحب الحصانة “المقدسة” التي تسترت خلفها تلك الأحزاب منذ 2003 وإلى حد اليوم. كشفت المظاهرات حقائق كثيرة على المستوى الفكري والسياسي إضافة إلى فضائح واقع السلطة الحاكمة أهمها:

* نقل الصراع السياسي من “شيعي سني”، إلى صراع داخل الأحزاب الحاكمة وبينها وبين جماهير الشعب.

* فشل الأداء السياسي لحكم الأحزاب الشيعية لكونها لم تقدم مشروعاً سياسياً عراقياً للتغيير والبناء يصبح بديلا مقبولا عن نظام ما قبل 2003، والشعار الوحيد الذي قدمته تلك الأحزاب هو إسقاط ذلك النظام وهو ليس شعارها بل شعار طهران، ولهذا وقعت تلك الأحزاب في مأزق الفشل والعزلة عن الشعب منذ اللحظة التي تسلمت فيها السلطة من الاحتلال الأميركي، ورأت في العرب السنة والقوى الليبرالية خطراً على مصالحها في العراق والمنطقة. ووقع الطلاق بين شعب العراق والأحزاب الدينية بعد غرقها بالفساد العام والنهب المنظم، مما كشف خدعة الشعارات الدعوية بإقامة العدل والفضيلة. فقد حولت شعب العراق، بسبق إضمار، إلى شعب جائع محتلة أرضه وقطاع كبير من شعبه مشرّد ومقموع طائفياً، وأفرغت البلد من العلماء وأصحاب الكفاءات لتخلو الساحة للجهلة، والأخطر تسليمها ثلث العراق لداعش لكي يتم تمرير مشروع تفكيك البلد طائفياً.

إن مساندة الحزب الإسلامي (السني) لسلطة الحكم (الشيعي) ناتجة عن مقاربة فكرية وسياسية تقول بأن هناك تكاملا ورؤية مشتركين في سلطة الإسلام السياسي ما بين حزب الدعوة والحزب الإسلامي. لقد تمزق الغطاء الديني عن طريق انتفاضة أبناء العرب الشيعة قبل غيرهم، ولم يعد قادراً على تمرير سياسات الهيمنة باسم المذهب. والحال ليس كما هو في إيران حيث تمكنت سلطة ولاية الفقيه خميني-خامئني من تمرير العقيدة القومية الفارسية تحت الغطاء الديني المذهبي لخدمة فكرة الهيمنة والتوسع خارج الحدود، والدليل على ذلك حرمان شعوب الغالبية الإيرانية من العرب والأكراد والبلوش وغيرهم، من أبسط حقوق المواطنة.

تواجه الأحزاب الدينية والمذهبية اليوم مصير إزاحتها عن المشهد السياسي تحت احتمالين؛ إما على يد التيار الشعبي المدني الذي صنعته التظاهرات الحالية، إذا لم تتعرض إلى القمع المدبّر، أو عبر القوى الشيعية المتطرفة من داخل البيت الشيعي ذاته المتمثلة بعصائب أهل الحق وبدر العامري المتربصة للقفز على السلطة السياسية على وقع الحرب على داعش. إلا أن عدم حسم تلك الحرب هو سبب تأخير هذا السيناريو المدعوم من طهران، إضافة إلى انتظار المالكي ليأخذ دوره، وهذا المشهد سيكون أكثر كارثية للعراق وشعبه.

التحول الحاصل في الشارع السياسي المطالب بالحرية والعدالة ومحاسبة المفسدين، ودعوات تخلي الأحزاب المذهبية عن السلطة، يشكل مرحلة سياسية مهمة، ومن الصعب عودة الأمور إلى الخلف، فالمواجهة السياسية حصلت في الشارع، وليس عبر معارضات زائفة من داخل العملية السياسية. فقد انكشفت خديعة من ادعوا تمثيل العرب السنة مثل من ادعى تمثيل العرب الشيعة. لقد سقطت هذه اللعبة، ولن تتمكن جميع تلك القوى من لملمة فضائحها، فالقضية لا تتعلق بفساد أو تقصير هذا الوزير أو ذاك، وإنما بمسيرة شاملة ألحقت الأضرار بهذا البلد.

الشارع العراقي العابر للطوائف قوة سياسية جديدة قادرة على إحداث تغيير في معالم المشهد السياسي، وتنظيم البيت العراقي وتحجيم دور رجال الدين وإعادتهم إلى مواقعهم ووظائفهم الأصلية في خدمة الدين والمذهب. رغم أنهم يرفضون هذه النهاية لأنهم لن يصلحوا للدين والمذهب مثلما لم يصلحوا للسياسة. ولعل ما حصل هذه الأيام بدخول التيار الصدري لهذه المظاهرات السلمية هو عملية خلط للأوراق. كما أن إيران المهيمنة على الوضع السياسي العراقي غير قادرة على إدارة الحلقة الحالية من الأزمة العراقية، فلا أحد قادر على المساس بانتفاضة الشارع. هذه فرصة تاريخية والمطلوب من جميع المؤمنين بقضية العراق العادلة، مساندة هذا التيار الشعبي بجميع وسائل الدعم.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر