الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

ازدواجية

المثقف ظل يعاني من الازدواجية بين ما يطرحه ويقوله وبين ما يفعله في حياته اليومية، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الفكري ما جعل صورته وموقعه في المجتمع يتعرضان لانتكاسة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/09/01، العدد: 10025، ص(15)]

في إطار السياق الثقافي والتاريخي لمجتمع الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب ظهرت النظريات الأدبية والنقدية، التي دعت إلى فصل النص عن منتجه واغتيال المؤلف، وبالتالي الفصل بين الأفكار والقيم التي يقدمها العمل الأدبي وسلوك صاحبه باعتباره يقع خارج اهتمام الدرس النقدي. لقد ساهمت هذه النظريات والمواقف في تحويل الأدب إلى سلعة، وإلغاء المسؤولية الأخلاقية عما يقوله أو يطرحه من قضايا الواقع والحياة والإنسان المطروحة.

يمكن فهم أسباب ظهور هذه النظريات والدعوات في مجتمعات الاستهلاك وطغيان النزعات الفردية وقيم ما بعد الحداثة المتطرفة في نزعاتها الفكرية، لكن ما لا يمكن فهمه هو تبني هذه الأطروحات والمفاهيم في مجتمعات مازالت تتلمس طريقها نحو الحداثة بصعوبة بالغة؟

لا أحد يستطيع أن ينكر حالة المثاقفة التي فرضتها الفضاءات المفتوحة لعالم اليوم، لكن لا أحد يمكنه بالمقابل أن ينتزع تلك النظريات من سياقها الثقافي والاجتماعي والروحي ويتعامل فيها مع واقع يختلف في أولوياته وتحدياته وعلاقاته وطبيعة ثقافته، وإلا تحول مثل هذا السلوك إلى نوع من ممارسة الإكراه أو في أحسن الأحوال محاولة استنبات زراعة غريبة في تربة ومناخ غير ملائمين لها تماما.

الكاتب في الغرب يمكنه أن يتخذ من الكتابة مهنة له إذا استطاع أن يحقق شهرته، في حين أن الكاتب العربي لا يمكنه فعل ذلك حتى مع وجود تلك الشهرة. والكاتب الغربي يعيش في مجتمعات مستقرة استطاعت أن تنجز مشروع حداثتها وما بعد حداثتها، في حين أن الكاتب العربي مازال يعيش في مجتمعات لم تستطع أن تنجز شيئا مهما لأن علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل مازالت ملتبسة، وهي تواجه من التحديات والمشاكل ما تعجز عن إيجاد حلول ناجعة له، لأسباب سياسية واجتماعية وثقافية.

هذا الواقع بمخاضاته العسيرة هو الذي يفرض على الكاتب أن يكون معنيا بقضايا الإنسان والحياة من حوله طالما أنه جزء منها يتأثر ويؤثر فيها، لذلك لا يمكن الفصل بين ما يكتبه وما يمارسه من سلوك ويتخذه من مواقف لأن ثمة مسؤولية أخلاقية ووطنية واجتماعية تجعله مسؤولا عما يفعله ويقوله.

هذه المسؤولية تتجاوز في معناها مفهوم الالتزام الذي كان الكاتب يتبناها ويخضع لسلطة مرجعياته السياسية والأيديولوجية، التي كانت تقيده وتفرض عليه إطارا عاما تتحدد بموجبه مفاهيم هذا الالتزام وحدوده.

المفارقة أن المثقف ظل يعاني من الازدواجية بين ما يطرحه ويقوله وبين ما يفعله في حياته اليومية، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الفكري ما جعل صورته وموقعه في المجتمع يتعرضان لانتكاسة عليه أن يستعيد قيمتهما الغائبة من جديد.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر