الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاستحمار والتعذيب جرائم لا تسقط بالتقادم

صنوف من الطغاة، تأخذهم السلطة بالإثم، حتى بعد زوالها، واحتياجهم إلى تعاطف إنساني يناسب مذلة يحاولون التسامي عليها باستعلاء زائف.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/09/01، العدد: 10025، ص(9)]

تشغلني آيات قرآنية لا أجد لها تفسيرا تطمئن إليه نفسي، وأقدر أن جيلا آخر سيهديه الله إلى تفسير من وحي التطور البشري.

“هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا”، أحار في فهم الآية وفي كتابتها: هل أضع علامة تعجب أم استفهام، أم أن الآية تتحدث عن حقيقة لا تستدعي هذا ولا ذاك؟ الآية الثانية “بل بدا لهم ما كانوا يخفون، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون”.

تصدق الآية على صنوف الطغاة، تأخذهم السلطة بالإثم، حتى بعد زوالها، واحتياجهم إلى تعاطف يناسب مذلة يحاولون التسامي عليها باستعلاء. أضاع صدام حسين فرصة تاريخية بعدم الاعتذار إلى الشعب العراقي في جلسات المحاكمة، لو اعتذر لنال غفران من لم تمسهم قبضته الدامية، وما كان لصدام أن يكذب آية “ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه”. وبعد إعدامه فجر عيد الأضحى، حذر معمر القذافي في جلسات القمة العربية، زملاءه أن ينالهم مصير صدام ولكنه نسي أن يحذر نفسه، حتى حين ثار عليه الشعب الليبي أنكر الشعب والثورة، وكرر “ثورة.. ثورة”، قاصدا حركة أدركتها الكهولة وتجاوزت أربعين عاما، ولكنه ظل يرى “ثورة الفاتح” طفلا لا يخضع لقوانين الزمن.

بين صدام والقذافي لم يحاول حسني مبارك أن يعتذر، أنكر جرائمه، وتجمل في فضائيات رجال المال حين اتصل به المذيع أحمد موسى مندوب وزارة الداخلية. كان وزير الداخلية حبيب العادلي ممثلا غير مقنع حين أدى دور “الطيب” وحمل المصحف، وأتاح له القاضي محمود الرشيدي، في جلسة السبت 29 نوفمبر 2014، أن يتهم الثوار بالعمالة وجموع المصريين بالغباء لأنهم استجابوا لدعوات التظاهر “الممولة”، في استحمار لم يعتذر عنه الوزير ولا قاض نسي أن القضية، وفقا لقرار الإحالة من النيابة، ذات طابع جنائي لا سياسي، وأن الشرطة المتهم أفراد منها بالقتل أدت دور الحَكَم بجمع الأدلة، ومارسوا ترهيبا على بعض أهالي الشهداء، وترغيبا لآخرين، وبلغ ثمن الشهيد 30 ألف جنيه والمصاب 15 ألف جنيه، وعزز مطالبهم بعض السلفيين بالدعوة إلى التنازل عن حق الدماء مقابل الدية، وهو ما سيكرره لاحقا البرلماني الإخواني عصام العريان.

لم يتعظ المشير حسين طنطاوي، بعد أن رأى أستاذه مبارك في القفص، فتواصل التعذيب في عهده، وشهد مركز شرطة بالمنصورة في أكتوبر 2011 اعتداء لضباط في الجيش والشرطة يسبون ويعذبون بعض البلطجية المتهمين بسرقة سلاح.

في انتزاع الاعترافات ردد “الضباط المعتدون” اسم المشير. الضباط في عدوانهم على البلطجية، لا يختلفون عن سلفيين وإخوان أخرجوا ضابط الشرطة من تحت جلودهم، وعذبوا مواطنين في شركة تطل على ميدان التحرير قبل خلع مبارك. في سلسلة حوارات لقناة الجزيرة، سعى بها أحمد منصور لاصطناع أبطال للثورة، قال صفوت حجازي إن محاميا من مدينة طنطا أبدى احتمالا غير طبيعي للتعذيب، فاشتبهوا في أنه ضابط شرطة. كان المذيع والشيخ السلفي يضحكان، ولم يعتذر أي منهما للمواطن الذي اعتدوا عليه ضربا وإهانة. سلوك وحشي يتناقض مع أي ادعاء ديني أو إنساني، فالمحارب المعتدي الذي أوشك أن يقتلك لو وقع في يديك أسيرا جريحا، له حق العلاج، وليس من المروءة تعذيبه وهو قليل الحيلة.

ولكن العدالة ليست معصوبة العينين، أحيانا ترى كثيرا، وربما تنظر بعين واحدة، إذ قضت محكمة الجنايات، في هذه القضية في أكتوبر 2014، بمعاقبة محمد البلتاجي وحازم فاروق وصفوت حجازي وأحمد منصور بالسجن 15 عاما. أما قضية المنصورة فلا يذكرها أحد، فليس لدى البلطجية من يدافع عن حقوقهم “الآدمية”، وخصوصا لو كان المعتدون من الضباط ذوي المقام الرفيع.

حين كان الإسلامجية منذ ذوي المقام الرفيع، أعلن الرئيس الإخواني الجهاد في سوريا بعد ساعات من قرار أوباما زيادة الدعم العسكري لمقاتلي المعارضة، ومطالبته بفرض منطقة حظر جوي في سوريا. جرى إعلان مرسي في ملتقى جماهيري باستاد القاهرة، أكد فيه سلفيون بارزون أن الشيعة “أنجاس لا يعترفون بالنبي وآل بيته”، فانتقل التحريض إلى قرية زاوية أبومسلم بالجيزة، وتم قتل أربعة من الشيعة، كانوا يحتفلون بليلة النصف من شعبان 1434 في أحد المنازل، واكتمل التمثيل بجثثهم على خلفية هتاف “الله أكبر”. لو دامت دولة الإخوان لنجا القتلة، كما نجا المحرضون في ظل عدالة ترى بعين واحدة.

لو نجحت الثورة التي أشعلها جسد خالد سعيد، لاتخذت المحاكمات في قضايا الشهداء مسارا آخر. وقد حكم على القاتلين في مارس 2014، بالسجن عشر سنوات. نص حكم المحكمة على ثبوت جريمتي التعذيب والقتل. جريمة لا تسقط بالتقادم. سمحت لأسرة الشاب بإقامة دعوى مدنية ضد وزارة الداخلية تطالبها بخمسة مليارات جنيه تعويضا بعد ثبوت عدم صحة رواية الداخلية حول الجريمة، على أن يتم استخدام مبلغ التعويض في أعمال خيرية باسمه، ومازالت العدالة تفتح عينا لترى رؤية انتقائية، تدفع الشرطة لمزيد من الطمع في الشعب.

بعد “جمعة الغضب” لم يكن شرطي يجرؤ على التصريح بمهنته، وبدلا من نسف الجهاز وإعادة تأسيسه وفقا لمعايير الاحتراف والكفاءة جرى تدليله، فقال مرسي في ذكرى مرور عامين من الثورة، إن الشرطة كانت في القلب من ثورة 25 يناير، متناسيا أن الثورة لم تكن لتقضي على مبارك لولا كسر شوكة الشرطة. وفي اليوم التالي قتلت الشرطة في بورسعيد أكثر من 40 مواطنا أحدهم على كرسي متحرك، وأشاد مرسي بالأداء وقال إنه أمر الشرطة باستخدام القوة في بورسعيد.

أغلبية الشعب ليست مع موجة جديدة من الثورة. الشعب يراقب ويترقب نضج الشروط التاريخية لانفجارات لن يكون لها من دون الله كاشفة. للشعب ما يريد.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر