السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

برسم الخدمة

في بلادنا، الرغبة محذوفة من قائمة متطلبات أي مهنة. عندنا لا يصبح المرء أمين مكتبة برضاه وتخطيطه، إنما هي الظروف والمعدل النهائي في الثانوية العامة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/09/01، العدد: 10025، ص(24)]

الخدمة، بمعنى أن يكون المرء خادما، مثلها مثل الطب والهندسة. تحتاج الخدمة إلى إعداد وتأهيل وإلى ذلك الفيض الوجداني الذي يجعل الإنسان متفوقا في ما يعمل. ليس بمقدور أي كان أن يكون مهندسا بارعا وإن درس وأعد نفسه إعدادا صحيحا. هناك من يريد أن يبني طرقا جسورا وهناك من لا يريد. وبهذا تكون الخدمة رغبة أيضا.

في بلادنا، الرغبة محذوفة من قائمة متطلبات أي مهنة. عندنا لا يصبح المرء أمين مكتبة برضاه وتخطيطه، إنما هي الظروف والمعدل النهائي في الثانوية العامة. ولولا المعدلات لما وجدت عالم آثار ولا محاسبا ولا أي شيء آخر ولكان المجتمع كله أطباء ومهندسين.

لاحظت في سفراتي إلى البلاد العربية أن الذين يخدمون ليسوا خدما حقا. هم ناس ساقهم المعدّل إلى الخدمة. الظروف في القرية تدفع الآلاف سنويا إلى العاصمة للخدمة في البيوت والفنادق والمطاعم وهم في طبعهم فلاحون. في عاصمة عربية كبرى نزلت في فندق فاخر إلى حد أن عندهم قائمة اختيارات، “منيو”، للوسائد جنب السرير.

في ذلك المكان الباذخ كان ثمة خادم وظيفته توزيع زجاجات الماء المجانية على الضيوف في الغرف بمعدل قنينتي ماء سعة لتر للضيف الواحد. كان الرجل فلاحا في داخله. كنت أحسن معاملته وأسأله عن الأحوال والمواصلات والأولاد. صارت بيننا ألفة وأراد أن يكرمني فاقترح أن يعطيني أربع أو خمس قناني مياه معدنية بدل اثنتين في اليوم. قلت، لكن الذين ينظفون الغرف سيلاحظون فاقترح أن يخبئ القناني الإضافية تحت السرير حيث لا يراها أحد. ولم أشأ أن أرفض كرمه الفلاحي فقبلت ممتنا رغم أني لا أحتاج ماء إضافيا. صارت قناني الماء سرا بيننا عمق أواصر الصداقة. لا شيء مثل السر المشترك يضيف للمودة عمقا وصلابة.

دارت الأيام وغادرت الفندق مخلفا ذكريات صداقة الفلاح وستا وعشرين قنينة ماء تحت السرير.

في بلد عربي آخر عندي صديق من مدينة نائية فيها مقهى بسيط به مقاعد خشبية وطاولات معدنية ونادل صار خادما بسبب المعدّل. زار ضيف من العاصمة صديقي هذا يوما فاصطحبه إلى المقهى. جاء النادل وطلب الضيف زجاجة “فانتا” فجاءه النادل بزجاجة مشروب غازي مَحَلِّي يسمونه جزافا "كازوز". قال ابن العاصمة لكني طلبت فانتا فقال النادل "هل سيخنقك الكازوز. هل ستموت إذا شربته"؟ قال الضيف "لا طبعا" فرد النادل "إذن اشربه واسكت". هكذا بكل رقة.

الحكاية الثالثة مسرحها بلد عربي ثالث معروف بخشونة طباع أهله. حكى لي صديق أنه نزل بفندق هناك ونفدت سجائره. فطلب بالتليفون ما يسمى تجاوزا بـ”خدمة النزلاء”. أجابه رجل يبدو أنه سيق إلى الخدمة سوقا. قال له صاحبي “ابعث لي علبة سجائر مارلبورو”. قال الرجل بحدة “ما عندنا”. قال صديقي “هل لك أن تبعث أحدا يحضرها من الخارج”، فقال خادم النزلاء “لماذا لا تبعث أمك تحضرها لك”. وصفق التليفون.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر