الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

ملهاة أمام المرآة

إن مساحة الحرية التي نعم بها ولا يزال لبنان مقارنة مع باقي الدول العربية، مكّنت الفن التشكيلي من التطرق لأقصى الأمور جدلية وأكثرها أهمية للشعب.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/09/03، العدد: 10027، ص(16)]

فعل السخرية من الآخر لم يعتده المواطن العربي بشكل عام واللبناني بشكل خاص، بقدر اعتياده على السخرية من ذاته كلما دفعته إلى ذلك الظروف الاجتماعية والسياسية والبيئية والأمنية القاسية.

يتجلى ذلك في غزارة التوليف الفني والذكي لصور فوتوغرافية مأخوذة لكارثة حدثت لأهل البلد ومن ثم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالبا ما تكون تلك الصور مُرفقة بكلمات ساخرة.

ومع ذلك أثبت الفن التشكيلي في السنوات الأخيرة أنه الأقدر على إبراز عمق السخرية التي يعيشها المجتمع أكثر من أي صورة مؤلّفة أو مظاهرة شعبية، سيقت خارج معناها لصالح قوى سياسية دون غيرها.. فهو يتحكم بالمعنى المُراد إيصاله مهما اختلفت الآراء حوله.

أما إذا كانت المظاهرات وأعمال الشغب خاضعة “للمزاجية العربية”، إذا جاز التعبير، ولتبدل الظروف فإن الفن التشكيلي كـ”تظاهرة” بطبيعتها غير محددة بزمن معين، قادرة على كشف صانعي الأزمات وتسليط الضوء على تأثيرات الأزمة المُكونة لمجتمع لا يزال يخضع لفساد السلطة الحاكمة.

إن مساحة الحرية التي نعم بها ولا يزال لبنان مقارنة مع باقي الدول العربية، مكّنت الفن التشكيلي من التطرق لأقصى الأمور جدلية وأكثرها أهمية للشعب.

اللافت في معظم تلك الأعمال التشكيلية التي تطرقت لموضوع الفساد بكل أشكاله وتناولت مقترفيه وضحاياه على السواء، هو أن تجسيده يأتي في هيئة مُهرج، أو معتوه، أو أراجوز، أو درويش، أو مسخ بشري يحتل فضاء العمل على أنه الملك، السلطان أو الحاكم بأمر الله.

من اللافت أيضا أن معظم “مهرجي” اللوحات اتسموا بملامح وحشية أو بأقنعة منفرة لا تقل رعبا عما يختفي خلفها. من هؤلاء الفنانين يبرز اسم الفنان شوقي فرن ووجوهه المقنعة الضاحكة والحاملة لأقسى معاني الوجود درامية.

ندرج أيضا اسم الفنان رؤوف رفاعي و”درويشه” المُجسد للمواطن الساذج أو غير الفاعل أمام هول الفساد أو الإجرام. ونذكر أيضا الفنان والشاعر شارل شهوان الذي رسم شخصه وكأنه معجون من الألوان الفاقعة، يتلوى بجسده النحيل ونظراته الفارغة المُحدقة باللاشيء. أما الفنان شربل عون فقد اشتهر بشخصياته البهلوانية والمنخورة التي تناول بها شخصية المرشح الرئاسي اللبناني.

نضجت خلال السنوات الأخيرة تجارب تشكيلية مختلفة في العالم العربي، جاءت نتيجة التعرّض للهيب مرآة سحرية تُسّيل الملامح لتعيد تشكيلها أو تظهر حقيقتها على نبض الأزمات والفظائع المتتالية.

ربما كنتيجة لذلك غُيبت الملامح الإنسانية عن الكثير من “البشر” ساكني اللوحات، لتحل مكانها وجوه تشبه وجوه المهرجين أو بسطاء العقول وقليلي الحيلة، أو مجانين استطاعوا بالذكاء التأقلم مع الألم، أو هي وجوه تجرأت على البوح بما تختزنه من آفات، فأطلت على المشاهد إما مشحونة بالازدراء والتهكم أو مجبولة بالعنف والجشع المُبطن.

نذكر من الفنانين الذين برعوا في تصوير مهرج بتقاسيم عربية مُشككة بما يحيط بها، الفنان التشكيلي عبدالعزيز درويش، أما الفنان سبهان آدم فقد رسم “مهرجه” صعلوكا مثيرا للريبة يضحك من فرط الألم.

نذكر أيضا عمل “الشبيحة” للفنان طارق بطيحي الذي أراد أن يظهر “الشبيح” كمهرج عديم القوة. ونذكر أيضا الفنان بطرس المعري ومهرّجه المتراخي بطربوشه على كرسي مقهى “النوفرة”.

أما الفنان بسيم الريس فقد يكون أبرعهم لناحية رسم بهلوان يكتنز كل معالم التيه والحزن والفرح والخفّة والدرامية دون أن “يتوحّش”. أطلق الفنان عليه اسم “مستر واي”، ويصفه الفنان بأنه “الشخصية التي خرجت من الألم لتنشر الفرح”.

مهرج بسيم الريس يبدو في لوحاته وكأنه يقول بلسان هنري برغسون “شاهدوا الحياة كمتفرج لا مبال: الكثير من المآسي تتحول إلى كوميديا”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر