الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

بصمة دبلن وسياسة حلب الثور

طلبات اللجوء الشرعية عبر مفوضية اللاجئين تصطدم بالانتظار الطويل والممل مع ما يصاحبها في أحيان كثيرة من موت المتقدمين.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/09/07، العدد: 10031، ص(6)]

العُقم، مفردة خطيرة تنسحب بتطبيقاتها على المجاميع البشرية، تكون رديفة لكلمة الزوال أو الإبادة غير الصادمة، لتعاطيها مع امتدادات زمنية مفتوحة.

والعُقم ينطبق على الأفراد الذين يشكلون المجتمعات، المقصود هنا التباطؤ الشديد في النمو السكاني عند بعض الشعوب أو توقفه ومراوحته عند نسب معينة، أو تراجع بعض الشعوب وعزوفها عن الإنجاب، لغياب مفاهيم حياتية متعارف عليها في الزواج وإنشاء الأسرة، ولذلك جذور وفروع وظواهر لمستجدات نمط وحريات وقوانين وثقافات معاصرة، ترقى إلى الجدل في مآل الفكر ومستقبل الإنسانية ضمن حدود الدول وخرائط الجغرافيا كما نراها اليوم.

في بلادنا الأمر مختلف، فالعُقم يكمُن باستمرارِ وقع الانفلات في التخطيط وزيادات سكانية محسوسة، لأنها بقفزات متواترة وغياب الإحصاءات الدقيقة، يرافقها تدنّ في المستوى الاقتصادي ووعي المجتمع ومداخيل الأفراد وفقدان اشتراطات الحياة الطبيعية من الأمن والغذاء والسكن إلى مفاهيم الرفاهية والسعادة، حتى ضمن حدودها المتدنية.

يبدو المشهد متناقضا، لكنه يلتقي في عدم وجود تصور ورؤية شاملة للمستقبل، وصف الواقع لا يجدي نفعا، إنما هي محاولات غضب كما في “طلعت ريحتكم” اللبنانية أو تظاهرات “كفى” العراقية، هي معلومة النتائج مسبقاً حتى من الشباب المندفع نحو الباب الواسع البعيد لكلمة التغيير، لا أمل مطلقا، واستحالة أن يتم حلب الثور. العُقم أن ندخل رؤوسنا في الجدار، فاقد الشيء لا يعطيه والأحزاب غير الديمقراطية مثلاً، من أين تأتي بالديمقراطية؟ هل نريد لأحلامنا مزيداً من الأحلام وأكاسير كلمات الألم العاصف بقلوبنا ويأسنا؟ لنتلقى ردة فعل متعاطفة، تلغي المشاريع التاريخية وعقد الطوائف المنضوية تحت لافتات السياسة وأحزاب الاحتراب الفاضح المعلن.

نحن في أرض مخيلة، أعادت لنا إنتاج الأديان السماوية، وأوهمتنا أننا نعانق الإسلام لأول مرة، وتسارعت لإنجاب ولادات مشوهة للمذاهب، ونقبَت في أديم التراث لنعود إلى الحروب المقدسة، تقابلها قناعات عالمية متشددة بواجهات استعمارية جديدة.

العراق وسوريا في حاضنة العمليات العسكرية والقصف، بأرقام طلعات يومية للتحالف الدولي ضد الإرهاب، وإحصاءات لعدد القتلى من الإرهابيين، والشعوب تدري، والتحالف يدري، أن ذلك لا يوفر أسباب عُقم الإرهاب لأجيالنا الحالية والقادمة.

الحقائق الماثلة، أن بقرتنا الحلوب تدرُ لهم اقتصاداً مدراراً من مبيعات صفقات الأسلحة وتكاليف إمدادات طويلة الأمد، لحروب وطلعات جوية وذخائر وعتاد ومناورات ودراما اتفاقات وتقاسم نفوذ، نتعامل معها نحنُ بالحيرة والشك والقبول والرضا والريبة، بتناقض صارخ لمزاج بقرتنا التي لا تدرُ لنا سوى الدم، على الرغم من ضرعها باذخ العافية.

تعودنا في سوريا، موت المختار بسبب أمراض الشيخوخة، وختم المختارية مربوط بسرواله ولا يتنازل عنه إلا لابنه، مورثاً إياه مهنة عقيمة لا تنتج إلا طوابير من الجائعين والهاربين على أقدامهم أو في التوابيت من ضيعة المختار، وعلى الرغم من اختلاف الزمن ومناشئ التعليم إلا أن العُقم يتكرر بذات الأسلوب والشخوص والنشاط السياسي والتعامل الاجتماعي، والنفاق بعاهاته المستديمة حيث تذوب الأحزاب في الحاكم وتهتف للشعب مصدر السلطات، والحقيقة، جَلبَة في الألعاب النارية لهوس السلطة بالبراميل المتفجرة ومهازل السياسة والإعلام التي تذكرني بدفاع المحامي، خلف خلاف، في مسرحية شاهد ما شفش حاجة وعبارته “انظروا إلى هذا الحمل الوديع”.

البحث قائم عن مخرج سياسي لنكبة السياسة في سوريا، ضمن الشروط الانتخابية الديمقراطية للمختار القديم، بنفس الآليات التي غيبت السياسة وأقامت الثرثرة وشرعنتها وجدولتها في محاضر قادة الدول الكبرى، وأدخلتها في تفسير المفردات القانونية المختزلة أساساً، وصنعت منها رداءاً تتلاعب فيه الأهواء والتفسيرات وغموض الغايات والتحولات المفاجئة.

العراق، ذات الخيبة من الساسة، لأن المصدر أو لاعب الدمى في مسرح الأحداث هو الراقص بزي المشروع الفارسي على جثث أهلنا وشعوبنا، وما فَرَضَهُ من واقع تفتيت وكراهية دفعت بالآلاف والملايين إلى هجرة تشبه كثيراً هجرة الإنسان الأول بحثاً عن الحياة وحفاظاً على النوع من الانقراض، مع خساراته وموت الجماعات أثناء الرحلة وأهوالها.

السلة الأوروبية، بدت هشة وأصابتنا بالدهشة، في المواقف من العقل والقلب الأوروبي، وتناهت إلى مسامعنا أصوات مرتفعة عن الأخلاق الأوروبية الغربية التي أدانت مَشرِقها وبناء الجدار العازل على حدود هنغاريا لمنع تدفق اللاجئين.

بصمة دبلن، ألا تحمل بعض جينات التمييز العنصري؟ مع تفهمنا للتوضيحات والمبررات الإيجابية والعقلانية للاتحاد الأوروبي لضمان إجراءات اللجوء والقوانين الملزِمة المحدِدة لنوع اللاجئين والتدقيق اللازم لضمان أمن واستقرار أوروبا.

المعروف أيضاً أنّ طلبات اللجوء الشرعية عبر مفوضية اللاجئين تصطدم بالانتظار الطويل والممل، مع ما يصاحبها في أحيانٍ كثيرة من موت المتقدمين وشتات العوائل وفقدان الكرامة، وتفاصيل يدركها من يعاني منها، ورغم كل التمحيص يتمّ رفض العديد من الطلبات، التساؤل، كيف تزامن توقيت طوفان الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا مع سيل مشاريع التسوية الدولية للأزمات بعد الاتفاق مع إيران على برنامجها النووي والتصريحات واللقاءات وصفقات الأسلحة والحديث بالنيابة عن الحاكم السوري وواقع الصراع على الأرض وبانوراما المقايضات بين شعوب وسلطة واستراتيجيات ومخاوف من انتشار أوسع للحريق الكهنوتي في المنطقة.

هناك شيء يشبه ما نسميه في عالم الاستهلاك، بالتسوق الشره ودون حاجة، التشوهات تطال الركائز الأساسية ليس في السياسات والاقتصادات المعاقة، إنما في الأخلاق الرابطة للجنس البشري.

الأقرب إلى الحقيقة، أن عقد القرآن الحاصل، هو زواج مثلي، عقيم حتماً، كسياسة حلب الثور، بين المستبدين، حاكماً وجماعات متطرفة وميليشيات، أما العائلة أو الأسرة الصالحة، فإنها تحاول أن تجتاز حقول بلادها المحروقة والأشلاء المبعثرة، تاركة الحاكم بأمر الله وتقاليد الأسلاف، إلى دمعة ميركل وقلب كاميرون وما سيأتي من مختاري محلتنا ومختاري العالم.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر