الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

السفهاء في حياتنا

عنده العدة من فرشاة وصابون حلاقة وأمواس وحمام وباب مغلق، لكن هناك شيئا ناقصا: شعر الوجه، ليس عنده شوارب أو لحية. لكن هذا لم يفل من عزمه فحلق حاجبيه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/09/08، العدد: 10032، ص(24)]

هناك دعاء جميل أحبه لأنه يطلب الانصاف بشكله المطلق، العدل بهيئته الصحيحة والمكتملة. الابتهال يقول “ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”. وهذا مطلب معقول جدا. إذ ليس من العدالة أن يؤخذ المرء بجريرة أحد آخر وخصوصا إذا كان هذا الآخر سفيها.

لكننا نمضي في حياتنا مؤاخذين بما يفعل السفهاء منا. والذي يؤاخذنا ليس الله سبحانه وتعالى بل البشر والهيئات الحكومية والمسؤولون عن السلامة العامة والمجالس البلدية وكل القائمين على أمرنا من بني الإنسان.

المعاناة التي نمر بها من صنع البشر، وهي نوع من العقوبة الجماعية ردا على حماقات ليست من صنعنا بل من صنع السفهاء منا وأقصد الأطفال. والأطفال كما تعلمون ينقسمون إلى معسكرين مثل بقية الخلق: إناث وذكور. لكن تصنيفهم الحقيقي هو أن البنات سخيفات والأولاد حيوانات. والقاسم المشترك بين المجموعتين هو السفه والطيش.

المعاناة التي نعاني منها نحن العقلاء هي أنك بسبب رعونتهم لا تستطيع أن تفتح أي شيء دون جهد استثنائي. جربوا أن تفتحوا أي قنينة تحتوي على مواد مؤذية إذا دخلت الجسم، من السائل القاصر المستخدم للتعقيم والغسيل حتى زجاجات المواد الحارقة والأدوية وكل شيء. جربوا ان تفتحوا الزجاجة أو الحاوية ستجدون أن عليكم الضغط على الغطاء من الجانبين أو الضغط إلى أسفل مع اللف بعكس اتجاه حركة عقرب الساعة. لماذا كل هذا العناء؟ لأن الأطفال سيشربونها لو كان فتحها سهلا. هذا فضلا عن أكل الكتب وإغراق الريموت في التواليت.

اذهبوا إلى جناح الطوارئ في أي مستشفى ستجدون ولدا قد أفلح في شرب النفط وبنتا نجحت في احتساء كولونيا وهذا قد أكل صابونة وتلك قد بلعت دبابيس، وهكذا. ونسأل هنا: الذي أكل الصابونة، هل يغسل وجهه بالهمبرغر؟ لا أستبعد. في المطابخ والحدائق والحمامات كل شيء مغلق بإحكام بسببهم وهناك متاريس تحمي الدواليب.

حتى الأكياس البلاستيكية التي تمنح مجانا في السوبرماركت لم تعد متاحة وفي متناول اليد. يجب أن توضع في درج غير متاح لأن الأطفال، حفظهم الله، سيرتدونها في رؤوسهم ويختنقون، يعني الطفل هذا يمسك الكيس البلاستيك وبدلا من أن يضع فيه أشياء يضع فيه رأسه، وبسبب هذه الحماقة علينا كلنا أن نشقى لنصل إليها.

في صغري كان عندي صديق في السادسة وكان أوروبيا. كان مأخوذا بطقوس حلاقة الوجه التي يمارسها أبوه كل صباح. انتظر خروج أبوه إلى العمل وانفرد بأدوات الحلاقة ليحلق شعر وجهه. عنده العدة من فرشاة وصابون حلاقة وأمواس وحمام وباب مغلق، لكن هناك شيئا ناقصا: شعر الوجه، ليس عنده شوارب أو لحية. لكن هذا لم يفل من عزمه فحلق حاجبيه.

في التاسعة صباحا، وفي ملعب الـ “ميني غولف” القريب من بيوتنا، ظهر صديقي هذا في الموعد دون حواجب. وسيعاني أبوه من عناء استخدام مفتاح وفتح أقفال ليصل إلى أمواس الحلاقة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر