السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

نار في حقل الشوفان

الناظر إلى المشهد البيروتي المضطرب سيذهله عدد المعارض الفنية تقام منذ بداية هذا الشهر والتي تشير إلى الأزمة اللبنانية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/09/10، العدد: 10034، ص(16)]

مدينة كبيروت تعيش الآن أكثر من أي يوم مضى وفق خطّين متوازيين، الخط الأول متمثل في متابعة النقل المباشر على شاشات التلفزيون وعلى شبكات التواصل الاجتماعي للتشنج المنقطع النظير ما بين السلطة الفاسدة، والحراك الشبابي المُحق، ولكنه قليل الخبرة.. أما الخط الثاني فهو أكثر من مواز للخط الأول، إذ ينبثق منه.

إنه نبض الشارع المتجسد باكتظاظ سكانيّ غير مسبوق، وتراكم نفايات ومشاهد معمارية نافرة قيد الإنشاء تشدّ نظرك عاليا ليس إلى زرقة السماء، بل إلى اهتراء الستائر المسدلة في الشرفات المطلة على شوارع مختنقة من فعل القيظ والغيظ.

أضف إلى ذلك مشاهد لمشادات كلامية بين الناس على الرصيف، تشهدها من على الشرفات أو في وسط الشوارع، منها ما هو دام حول أفضلية المرور أو على أحقية ركن السيارة، ومشهد عام ملغوم بازدياد نسبة تسكع المشردين وغالبيتهم من الأطفال والمراهقين.

جولة واحدة لا تتخطى النصف ساعة في شوارع بيروت كفيلة بأن تريك أن المحظور قد وقع، فبعد كل الحرائق التي طالت المنطقة والتي نالت بيروت عبر السنين نصيبها منها، جاء دورها للبروز مجددا وبشكل آخر.

ها هي بيروت المدغدغة لأحلام الكثيرين كآخر معقل للحرية ولركوب أجنحة الريح اللاهية، ها هي بيروت النائمة في خيال سكانها وكل من زارها، فقد تجلت رؤيتها اليوم كحقل شوفان يحترق وما من حارس رسمي، إلاّ وهو حارقها.

في وسط هذه الغوغاء برز “حراس″ جدد.. إنهم أصحاب الحراك المدني الذي طالما استخف بقوته، إنه الآن، وحتى في عين الحذر، الأمل الوحيد في إنقاذ “بيروت- حقل الشوفان العربي”.

برز من ضمن الناشطين المدنيين “فرسان الماء”، وهم الفنانون التشكيليون الذين حرصوا على حشد “الماء” لمنع احتراق الحقل بالكامل، وظهرت أعمال فنية كثيرة داعمة للتحرك وبارزة لخطورة ما يحدث ومظهرة لأشكال الفساد الذي فجّر خزان الاحتمال.

نشرت أعمال جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي وجاء بعضها استكمالا لمجموعة من الأعمال السابقة المحرضة على التغيير، نذكر منها تلك التي قدمها الفنان منصور الهبر والفنان رؤوف رفاعي وفنان نتحفظ عن ذكر اسمه وهو متوار عن الأنظار قسرا، بسبب لوحة رائعة قدمها سابقا ينتقد فيها “الحوار الوطني اللبناني”، الفنان هو حاليا بصدد تقديم أعمال جديدة من وحي ما يحصل.

الناظر إلى المشهد البيروتي المضطرب سيذهله عدد المعارض الفنية تقام منذ بداية هذا الشهر والتي تشير إلى الأزمة اللبنانية.

رحمة بكل حقول الشوفان الذهبية المتبقية في هذا العالم العربي هناك أمل في أن لا يتصرف الناشطون المدنيون، وخاصة الشبان منهم على نحو ما فعل جون هينكلي حينما قتل بخمس رصاصات المغني جون لينون، حاملا بيده نسخة من رواية “الحارس في حقل الشوفان” وصارخا “هذه هي حجتي” في إشارة إلى المغني الذي غنّى السلام وهو منافق.

وعسى أن لا يتحوّل هؤلاء الناشطون إلى كتلة من الكراهية كبطل الرواية حين قال “أكره كل شيء، أكره الحياة في نيويورك وكل شيء، أكره سيارات الأجرة.. أكره التعرف على فتيان مزيفين.. أكره الفتيان الذين يقيسون البنطلونات.. أكره الناس″.

حبذا أن ينتقل حراس حقل الشوفان بدعم من فرسان الماء من حالة انعدام النضج السياسي إلى ما يمكنهم من إنقاذ بلد لم تنته فيه الحرب يوما إلاّ صوريا.

حينها سيحلو لنا جميعا أن نكون ناطقين بلسان بطل الرواية حين قال “هؤلاء الأطفال يلعبون لعبة ما في حقل الشوفان.. آلاف من الأطفال الصغار ولا أحد غيرهم، لا أحد من الكبار، عداي أنا. الأطفال ينطلقون راكضين ولا يحاولون أن يتبينوا اتجاههم، فمهمتي أن أمسك بهم. يكون هذا عملي طول اليوم. وبهذا أصبح الحارس في حقل الشوفان. أعلم أن هذا شيء جنوني، ولكن هذا هو الشيء الوحيد الذي أحب أن أكونه. وأنا أعلم أن ذلك جنون”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر