الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

جميل ملاعب فنان لا يركن إلى جذع واحد من الشجرة الكونية

  • كثيرا ما قيل إن الشاعر لا يشبه شعره، وإن الفنان لا يرسم إلاّ صورة مغايرة عن ذاته، وقد ثار جدل كثير ولا يزال حول ذلك. وإذا كان التاريخ حافلا بمن لا يشبهون ذاتهم في أعمالهم، فهو زاخر أيضا بالمبدعين الملتصقين التصاقا عفويا بأعمالهم الفنية مهما كان نوعها. ولعل أكبر مثال على ذلك التماهي الصادق وهو ما يعبر عنه الفنان اللبناني العريق جميل ملاعب.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/09/10، العدد: 10034، ص(16)]

متحف جميل ملاعب يجمع جل الفنون

بيروت – منذ سنتين التقيت عن طريق الصدفة بالفنان التشكيلي اللبناني جميل ملاعب في إحدى المقاهي البيروتية. أخبرني أنه بصدد بناء متحف خاص بأعماله كي “يحميها من الضياع″، فهو لم يعد يطيق انتظار إنشاء متحف وطني لبناني، يضم أعماله وأعمال الفنانين التي تتبعثر أثناء ذلك الانتظار هنا وهناك، ويُتلف بعضها أو يزوّر، ثم طلب مني أن أنتج له فيلما وثائقيا يواكب تحولات بناء هذا المتحف.

تمّ إنجاز هذا الفيلم الذي استغرق حدود سنة كاملة، ولكنه جاء نابضا بشخصية الفنان صانع الصرح أكثر مما هو توثيق علميّ لمراحل البناء.

كل من سيزور متحف الفنان في بلدته بيصور، والذي افتتح آخر شهر أغسطس الماضي بعد أكثر من خمس سنوات من العمل المتواصل، سيرى استحالة رؤية المتحف وأعماله، التي اختار تقديمها ليلة الافتتاح من مجموعة نفذها منذ بداية الستينات، بمعزل عن رؤية جميل ملاعب الإنسان الذي يشبه متحفه هذا في أكثر من جانب.

فالمتحف مشيّد وكأنه قلب نابض مطل عبر نوافذ عديدة ومختلفة الأشكال على سماء وشمس وخضرة بلدته بيصور. فهو لم يخرج يوما عن هذه البلدة في أعماله حتى عندما تناول مدنا ودولا كثيرة أخرى زارها لينتقي منها مشهديات وينقل روحها وطباع ناسها وعاداتهم إلى لوحاته.

كما أن المتحف في هيكله العام، ينبذ الزوايا الحادة والمسالك أحادية التوجه، بإمكان زائر المتحف أن يتنقل فيه دون شعور بأنه يغادر صالة مفصولة عن أخرى حتى لو كان المبنى المشيد يتألف من ثلاث طبقات؛ حميمية وخفة محببة ترافق الزائر حتى خروجه من المتحف نحو فضاء زرعه الفنان بأعماله النحتية وقطع من الفسيفساء.

تنوعت المعروضات بين محفورات خشبية ولوحات من الموزاييك، وأعمال نحتية إلى جانب رسومات لوحات نفذت بتقنيات الأكريليك والغواش، والألوان الزيتية التي هي المفضلة لدى الفنان، ومن بين تلك الأعمال عملان رائعان جديدان ظهرت فيهما “عصافيره” أو “حساسينه” الشهيرة التي طالما تميز بها.

غالبا ما تقرأ كلمة “متحف” على أنها مرادف بصري لكلمة “أرشيف”، وذلك تماما ما لا يعبر عنه “متحف جميل ملاعب” الذي هو حيوي في بنيانه كشخصية صاحبه، متحول في داخله على هوى تبدل المعروضات التي سيختار الفنان أن يعرضها كل فترة.

جميل ملاعب هو عصفوره، فهو فنان يصعب 'حبسه' لإجراء مقابلة معه، إلاّ إذا تمكنت من إشعاره بحرية مغادرة الغرفة متى شاء ودون سابق إنذار

وهو متجدد ومعاصر للنشاطات التي سيصار إلى تقديمها في صالاته المجهزة لها، كما أن زائر المتحف سيعثر على لوحات رسمها الفنان منذ أكثر من أربعين عاما إلى جانب لوحات لم يجف لونها بعد، هذا إذا لم نذكر اللوحات التي نسي الفنان أن يضع إمضاءه عليها، فدخل على غفلة من زواره ليضع اسمه وسنة إنجازه لها. تلا الافتتاح حفل موسيقي كلاسيكي امتدّ ليومين، نظمه وشارك فيه ابنه الموسيقار ربال ملاعب الذي استقطب عازفين موسيقيين من مدينة فيينا، ليشاركوا في انطلاقة متحف أراده الفنان مركزا وصرحا ثقافيا يستقبل فيه الفنانين ومختلف الأنشطة الفنية، ومن ضمنها ندوات ومعارض فنية ومشاغل وتقديم مسرحيات وعرض أفلام.

كلها أعمال رصدت تحولات الفنان وأكدت على حضور “العصفور” الذي اشتهر به، إلى درجة أنه حط بصغره ورهافته على موضع من بطاقته الشخصية الحاملة لعنوان مسكنه ورقم هاتفه. كل عصفور في لوحة الفنان جميل ملاعب هو عصفور آخر مخالف، إن رسمه طائرا في الفضاء، أو عالقا في فخ نصب له، أو ملتحفا ضوء الشمس أو شاربا خضرة الأنهار أو مملحا زرقة البحر.

جميل ملاعب هو عصفوره، فهو فنان يصعب “حبسه” لإجراء مقابلة معه، إلاّ إذا تمكنت من إشعاره بحرية مغادرة الغرفة متى شاء ودون سابق إنذار. فهو لا ينفك يطير في أرجاء مرسمه أو بين ضيوفه، غير قادر على الركون إلى جذع واحد من الشجرة الكونية.

حتى متحفه هذا يبدو للناظر إليه أشبه بعصفور يقف على تلة تطلّ من ناحية على منزله الخاص ومن ناحية ثانية على الوديان والجبال.. هنيئا للبنان بـ”متحف العصفور”، وهنيئا لرواد الفن بمزارهم الجديد المعلق على غصن من أغصان الحلم المستديم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر