الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

أردوغان وعش الدبابير الكردي

تركيا أردوغان استبعدت كافة الحلول القادرة على استيعاب الأكراد ضمن باكورة من الإصلاح السياسي والاندماج الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/09/11، العدد: 10035، ص(9)]

هي حرب استنزاف مدمّرة انخرطت فيها تركيا أردوغان ضدّ مسلحي حزب العمّال الكردستاني، تفضي إلى قوافل من الضحايا الأمنيين والعسكريين الأتراك الذين زجّ بهم في خضم “حرب ميليشيات” لا يدركون كنهها ولا يعرفون طبيعتها رغم عقود المكاسرة التي خاضتها تركيا ضد الكردستاني الكردي.

مثل كلّ العقول الإقصائيّة الاستبعادية، تتملّك الثنائيّة المقيتة أذهان الفاعلين السياسيين موهمة إياهم بأنّها “استيعابية” لكافة مدخلات ومخرجات المشهد. حكمت ثنائية “الحرب الشاملة أو السلام الكامل” ذهن أردوغان خلال بدء مرحلة التفاوض مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان قصد التوصل إلى تسوية مع الأكراد وفق المقاربة الأردوغانية لـ“المسألة الكرديّة”.

لم يكن عرض أردوغان للأكراد كاف لطيّ صفحة آلام عقود من العنهجيّة السياسية والقومية الشوفونية، كما لم تكن الترضيات التركيّة قادرة على فتح صفحة جديدة من “التعدّد ضمن الوحدة”، فيما كان سقف مطالب الأكراد عامة، والكردستاني خاصّة، بحجم مآسي “أقليّة منسيّة” ووفق تطلعات جماعات إثنية قدمت الدماء وتحملت الدمار لتأصيل كينونتها ضمن الفسيفساء التركية.

بسقوط غصن الزيتون التركي المترهّل، دخلت تركيا في حرب عشوائيّة ضدّ الأكراد فيها الكثير من العقاب الجمعي لهم على رفضهم العرض الأردوغاني، كما فيها مآرب سياسية لعل أبرزها إضعاف الكردستاني في تركيا قصد تهوين شوكته في شمال سوريا ضدّ التنظيمات التكفيرية بوجه عام، وتنظيم الدولة الإسلامية بوجه خاص، والذي يتقاطع مع تركيا في نقطة تفريغ الشمال السوري من المكونات الإثنية والعرقيّة، وإفراغ المنطقة من أي تواجد عسكري سواء أكان نظاميا أو معارضا على شاكلة الجيش الحرّ، أو كرديا على شاكلة لجان الحماية الكرديّة.

استبعدت تركيا أردوغان كافة الحلول القادرة على استيعاب الأكراد ضمن باكورة من الإصلاح السياسي والاندماج الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، تتأسس دعائمه بمجرّد إعلان هدنة ثنائية طويلة المدى تخرج الأكراد من الحلول الصداميّة مع الدولة وتحرج العمّال الكردستاني المراهن على السلاح أكثر منه على الإصلاح.

عشّ الدبابير الكردي تمكّن من تسجيل نقاط ضدّ الدولة التركية متلخصة في إظهار المؤسسة العسكرية التركية في مظهر الضعف بعد أن ألحقت المجموعات الكردية خسائر بالجيش التركي، إضافة إلى تحويل الغضب الكردي إلى مسلكية تصويتية عقابية لحزب العدالة والتنمية تجسدت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة قد تزداد رسوخا في الانتخابات القادمة.

غير أنّ النقطة الاستراتيجية الأهمّ كامنة في إسقاط منظومة “الصفر مشاكل” التركية مع كافة دول الجوار، حيث جرّ حزب العمال الكردستاني تركيا إلى تدخل بري (الثلاثاء الماضي) في شمال العراق وفرض عليها شنّ غارات جوية في كردستان العراق التي تمثّل العقدة التركية الحقيقية. عقدة لأن تركيا تودّ من كردستان العراق البقاء في حالتها الهجينة وفي “منزلة بين المنزلتين” الموجودة بها حاليا، فلا هي تابعة مركزيا لبغداد، حيث أن أنقرة تستغل هذه الحالة لتوقيع عقود نفطية وغازية مع أربيل دون العودة إلى بغداد، ولاهي دولة مستقلة حيث توظف تركيا هذه الوضعيّة لمنع انسحاب أي نموذج استقلالي كردي عراقي في تركيا.

التورط التركي البري والجوي في كردستان العراق من شأنه لا فقط إفساد العلاقات الاستراتيجية القائمة بين أربيل وأنقرة، وإنّما أيضا التشجيع على نيل الاستقلال عن بغداد قصد فرض السيادة البرية والجوية الكردستانية على الجار التركي، وهو ما من شأنه أن يقلب الطاولة على أردوغان وصحبه.

أجبر حزب العمال الكردستاني على رفع السلاح مرتين خلال العامين الفارطين، الأولى عند دفاعه عن أكراد سوريا ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية الساعي لإخراجه من الجغرافيا، والثانية عند صدّه لغارات الجيش التركي الرامي لإخراجه من التاريخ والمستقبل، وفي الحالتين تمكن من قلب المعادلة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر