السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

11 سبتمبر وهجرة العالم القديم

المثل العليا لنتاج الفكر الإنساني وجذور الأديان أصبحت مرتهنة لبرامج سياسية عنصرية، ويكفي أن نتفحص الكثير من عناوين الكتب لنكتشف أننا في سوق البيع بالجملة لميراث التعصب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/09/15، العدد: 10039، ص(8)]

يغرق المهاجرون في البحر الأبيض المتوسط وامتداداته في بحر إيجه، ومعهم تغرق أوروبا بأزمة اللاجئين الفارين من مناطق الصراعات الدامية في سوريا والعراق وجنسيات أخرى، تسعى للوصول إلى أرض تضمن لها البقاء والحماية من عنف آلة الحرب وماكنة الفقر واللاجدوى.

أسواقنا، تغرق في ملابس البالات المعروفة بـ”السكند هاند” وهي منتجات مختلفة تتكدس في المصانع وتتقادم عليها السنوات، ويتم تصريفها إلى الدول والمدن الأقل دخلا، بما يشبه التنزيلات الموسمية، لكنها هنا عملية تجديد اقتصادي تسعى إليه المراكز المصنعة لاستمرارية العمل واستقرار أثمان مبيعاتها في المعارض الرئيسية التابعة لها، بما يشبه دورة الانتخابات السياسية، لإعطاء دفعة ودفقة دم جديدة، ولتنشيط البرامج في التعاطي مع متطلبات التنمية والأمن متعدد الوجوه، وصولا إلى السياسة الخارجية وتغيير الأفكار حلا للمشاكل وفق المصالح والإستراتيجيات بمرونة فائقة.

ما نعانيه في أسواق الفقر، ينطبق تماما على الحكام وطريقة الحكم في العديد من بلداننا، والمثال السوري – العراقي نموذج صارخ لسوق بالات سياسة أغرقت شعوبنا ببضاعتها ومنتجاتها القديمة المكررة بذات التصاميم، لخط إنتاجي لمكائن ومعدات وإدارة تعيد الخطاب والتصفيق والإعلام والاقتصاد والجيش وديمقراطية خاصة بالنظام.

نغرق في عنف الدولة الشرعي، نغرق في الاستسلام للأكاذيب وتلفيق التهم، نغرق في القوانين الجائرة وفي السجون والتعذيب، ونغرق في الشعارات الوطنية، والمجازر والإبادات، وفي طوابير العاطلين، ونغرق في الطوائف وحروب الأهل ومآسي عوائلنا وضعف حيلتنا، وفي بالات حكايات الكراهية التي سوّقتها لنا ولاية الفقيه ومزقت شملنا العربي، ودفعت بقضية العرب المركزية فلسطين إلى الخلف، لأنها أضاعت أكثر من دولة وعاصمة عربية على أرض الواقع، وفق تصريحاتها المعلنة والمستمرة.

الفقر سمة مميزة لشعوبنا المهاجرة مثل الطيور أملا في الوصول إلى أماكن آمنة على الرغم من هلاكات بعضها، وفكرة الطيور ليست استعارة بلاغية، لكنها من مصادر علمية تهتم بالطيور المهاجرة وحركتها، وتأكيدها على حجم المتغيرات في أعداد الطيور المستوطنة والعابرة لبلداننا، لأنها لم تعثر في أرضنا على أماكن بيئية صالحة لوضع بيوضها والتفريخ، أو المرور الآمن بسبب متغيرات المناخ وتدمير عناصر الحياة الطبيعية من مزارع ومراعي وانتشار الجفاف، كما في أهوار العراق التي كانت محمية طبيعية لأنواع معلومة من الطيور المهاجرة.

التهجير، مصطلح ليس بجديد على المنطقة وربما استخدم كثيرا مع الهجرة القسرية للكفاءات والعقول لعدم القدرة على استيعابهم وتوفير المستلزمات المناسبة مع اختصاصاتهم، أو تعيينهم في غير مجالاتهم، وصولا إلى اغتيالهم، ثم جاء زمن الهجرة الواسعة والتشجيع عليها من كل الأطراف بعد احتلال العراق ودخول الميليشيات ومعها قوائم الانتقام.

الآن الهجرة الشاملة بعد إطلاق السراح المشروط للنووي الفارسي وتداعياته السريعة بالتصريحات أو تهريب الأسلحة إلى دول الخليج العربي وتأجيج المشاكل، أو التدخل السافر في إدارة دفة الحكم كما في العراق، وقيادتها وإشرافها على العمليات العسكرية.

ما تعرضت له سوريا في سنواتها الأخيرة من عمليات إبادة منظمة للمدن والمدنيين كانت بمساهمة فاعلة وجلية من نظام ولاية الفقيه وميليشياته، وحان موعد إفراغ الأرض من محتواها لأحداث الفارق في المكونات وإتباع سياسة الإحلال والإبدال، ومدينة الزبداني خير مثال على ذلك، ومعلـومة هي المفاوضات التي جرت في تركيا بين البديل التفاوضي الإيراني نيابة عـن النظام السوري وبـين المعـارضة المسلحة، وهي نموذج للأفكار والمشاريع القادمة.

الملاحظة الواجب ذكرها في هذا الصدد، الخطأ الذي ارتكبته المعارضة بقبولها التفاوض مع طرف إيراني، على الرغم من رفضها سابقا للمقترح الخبيث لإيران بترحيل سكان الزبداني واستقدام آخرين من طائفة متجانسة مع الواقع السكاني للجانب الآخر داخل الحدود اللبنانية، وما أعلنته ميليشيا فرق الموت التي اختطفت العمال الأتراك في بغداد، وما أدرجته في مطالبها لإطلاق سراحهم تضمن العلاقة بمدن الزبداني وكفريا وفوعة، وهذا دليل ليس فيه مفاجأة لكنه يؤكد الدور الإيراني في تغذية الأزمات تنفيذا لمشروعها المتسارع في المنطقة.

الطوفان يضرب بقوة، والحقيقة المؤلمة أن سفن نوح الأوروبية بدأت بنقل الناجين من كهوف الماضي تاركة للمسوخ حرية الانفلات من جماجمها ومعاقل كبتها، وتحت إرادتهم الملايين من شعوبنا المقهورة تحيا على طريقة سوق البالات وتصاب بكافة الأمراض المستوطنة والمنقولة بالعدوى، لكثرة الاستعمال ورداءة وإصرار العقل المنتج على بضاعته.

ما وصلنا إليه، لا علاقة له بأنظمة وقوانين وتشريعات الدول والصراعات القديمة المبنية على الحقوق والواجبات في إقامة الحكم على الشرعية الدينية أو الثورية أو الشورى أو حتى الديمقراطية.

المعضلة، هي في انحطاط العلاقة بين السلطة الممثلة بالحاكم أو الحزب على اختلاف مبرراته وأسلوبه الدعائي والإعلامي، وبين غالبية الشعب المهمش الذي أضاع هويته الوطنية على مفترق طرق العالم الحديث.

ونحن نغرق في البحر الأبيض المتوسط وامتداداته في بحر إيجه، يبدو عالمنا مجموعة ألغاز وطلاسم متداخلة يصعب فك رموزها وتشابك خيوطها، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001 وكمية ضخ المخاوف من الآخر، والرغبة في استبعاده أو محاصرته أو غض الطرف عن مصيره ومأساته ومحاولة تهجيره من عالمه القديم.

المثل العليا لنتاج الفكر الإنساني وجذور الأديان أصبحت مرتهنة لبرامج سياسية وغايات عنصرية منغلقة، وهذا الوصف يشمل الجميع دون استثناء، ويكفي أن نتفحص الكثير من عناوين الكتب لنكتشف أننا في سوق البيع بالجملة لبالات ميراث التعصب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر