الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

رحلة النكد والشك

صدمة جو آخر وثقافة أخرى وملابس مختلفة وعادات لم تهيئك لها الأربع ساعات من الجلوس في الطائرة للانتقال من لندن إلى القاهرة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/09/15، العدد: 10039، ص(24)]

وسيلة المواصلات في العادة ليست ملهمة بل عملية ولا تستحضر الفن. هناك أغان طبعا تذكر السيارة أو الطائرة لكنها لا تستلهم السيارة نفسها بل تتغنى بحدث أو سفرة أو بصحبة حبيب. القطار يختلف من حيث كونه ملهما بذاته فيه أغان تستلهمه كقطار ذي صوت رتيب جميل وصافرة وبخار أو دخان. الطائرة هي الأسوأ من حيث أنها تختزل السفر بمشاهد من مطارين: واحد في بلد الإقلاع وآخر في بلد الهبوط. وهي مشاهد لا تسر يظهر فيها ضباط جوازات ورجال أمن يتفحصون المسافر بشك وريبة ويظنون أن البشر لا همّ لهم سوى التفجير أو تهريب المخدرات.

وليس بين مشهدي المطارين سوى طنين مستمر ومشاهد بحار يشبه النظر إليها التطلع في أطلس العالم. لا موج ولا مياه ولا رذاذ ولا رائحة. تقطع آلاف الأميال ولا ترى شجرة أو حقل قمح. تقطع مساحات من قارة بأكملها فيها بشر يعرفون كل شبر منها وفيها قطط ومشاكل دون أن ترى منها شيئا. والطائرة نفسها بكل من فيها تبدو لأعين من على الأرض أصغر من بعوضة. لهذا السبب، ربما، الطائرة غير ملهمة لا لمن على متنها ولا لمن يرقبها من الأرض.

ومشكلة الطائرة أيضا هي أن ركابها متوترون متجهمون. الناس فيها يضيقون ذرعا بصحبة الآخرين وهناك نظرات عداء وتوجس. لم أر أحدا يقدم طعاما لآخر كرما وأريحية. ما فيها مجتمع وصحبة يتشكلان في الآن. والمسافرون في مقاعد يبدو أنها من تصميم قزم معقد حاقد على كل من يزيد طوله على أربع أقدام، وأفرغ غلّه في وضع مقاعد تعاقب الجالس فيها على أبعاده. أتصور أن القزم هذا، وأنا أخمن فأنا لا أعرفه، عنده قناعة بأن الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، يستطيع القيام بكل وظائفه وارتفاعه لا يتجاوز الأربع أقدام، ومن يبلغ طوله أكثر من ذلك فقد تجاوز وطغى واستكبر ووجب عذابه.

ولا توجد وسيلة مواصلات تضاهيها في رغبة من على متنها في الفرار منها. ما إن تقف الطائرة حتى يهب الناس بخشونة وكل يريد أن يكون أول الفارين. يدفع الشاب اليافع عجوزا ضعيفة وينحيها جانبا بفظاظة والشاب هو نفسه كان سيساعدها على عبور شارع كبير بكل عطف ورقه، لكنها الرغبة في الفرار.

تنزل من الطائرة لتحط في مشهد المطار الآخر وتشتعل ثورة الشك والتربص. في المطارات يستحيل الرجل من أمين مكتبة وديع يحظى بثقة أهل مدينته إلى مشروع انتحاري يرتدي حزاما ناسفا أو من عتاة المجرمين، فهذا هو الافتراض القائم في المطارات. وتخرج من المطار لتتلقى صدمة أخرى. صدمة جو آخر وثقافة أخرى وملابس مختلفة وعادات لم تهيئك لها الأربع ساعات من الجلوس في الطائرة للانتقال من لندن إلى القاهرة. أول لفحة هواء صادمة. المسافة الزمنية بين لندن والقاهرة ينبغي أن تكون أسبوعا على الأقل، لكنها الطائرة اللعينة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر