الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

البحر درجة حرارته صفر

أقصى درجات الصعوبة في الاستيعاب، والتحرّك المبنيّ عليه تكمن ليس أمام التباس الصور أو الكلمات، إنما تكمن أمام أكثر الصور والكلمات وضوحا.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/09/17، العدد: 10041، ص(16)]

أنت اليوم في محاولة استيعاب ما يحدث من حولك تشبه صيادا خرافيّا قوام وهمه ورجاء عيشه اصطياد الماء الدافق. لا سبيل في أن تكون غير ذلك أمام فيض الصور وسيل الكلمات والحوادث، التي نقصد بها تلك المدمرة لكل ما يمكن أن تكون عنته يوما ما كلمة “إنسانية”.

يستحيل أن تكون صيادا تقليديا عندما يكون الصيد المرتجى هو المعنى، أي الماء الثمين المنكفئ في الصور والحوادث. ما الذي سيعدك إلى شاطئ الواقع لتعيد برماله تشييد قصور الرمل الزاخرة بالمعاني على النحو الذي كانت قبل الثورة الصناعية؟

لا بأس حينئذ على القصور الرملية أن تهوي ويعاد إنشاءها، فطبيعة المعنى أن يكون متحولا، ولكن ليس أن يكون محكوما عليه بالإعدام. فعدميته من عدميتنا، وقد نكون وصلنا إلى تخوم هذه النهايات على غفلة منّا.

أقصى درجات الصعوبة في الاستيعاب، والتحرّك المبنيّ عليه تكمن ليس أمام التباس الصور أو الكلمات، إنما تكمن أمام أكثر الصور والكلمات وضوحا.

ما يضعنا اليوم أمام هذا الواقع، هو المشهد الذي خرق تلاحق صور الفظاعات بهدوئه، فاستوقف العالم. إنه مشهد للكائن البطيء الذي لن يحتج حذاءه كي يسير إلى قلب المعنى.

إنه الخرافيّ المافوق واقعي، الصبيّ الذي لفظه البحر غضبا وقد قبض بالجرم المشهود على الماء الدافق، أي المعنى المتفتت تحت “بساط” الواقع الوهميّ، البساط، التي تكلم عنه بورخيس في إحدى رواياته، واستحوى منه المفكر بودريار بلاغة شعرية لأفكاره ما بعد الحداثوية.

قد يكون في صورة الصبي صاحب القميص الأحمر، شيئا ممّا عبر عنه بودريار في”الهيبر رياليتي”. فأمام هذا المشهد “البحري” انتبهنا أن “ما فوق الواقعية” التي نعيشها إنما يشير إلى اختفاء ثقل المعنى الأهم من صوره، وإلى كثافته العاطفية التي تستمد من طاقة الخيال الكثير من حميميتها.

ولعل قميص الصبي الأحمر هو تظهير للـ”حرارة” التي نعاها بودريار، والتي صفعت وجه العالم لتخرجه من خدره التام، ولو لفترة قليلة من الزمن قبل أن تعود عجلة الجليد العصرية تسحق ما تبقى من إنسانيتنا، هذه الإنسانية التي تكلم عنها ونعاها أيضا المفكر الفرنسي ميشال سيير.

كيف لا يكون هذا الخروج من الخدر وقتيا، عندما يكون الحاضر الخاطف الذي لا يقيم وزنا لشيء هو أقصى وأمضى ما لدينا، ونحن نعيش في زمن فاحش الثراء بالصور المستنسخة والمسلوخة عن أصلها؟ كثرت المعاني حتى باتت لا تعني شيئا! فعلى سبيل المثال، فداحة المعنى “غير الإنساني” الذي تسوقه الآن في شوارع بيروت شركة هواتف خليوية عبر شعار “الغد هو الآن”، لا يختلف كثيرا عمّا يسري في نشارات الأخبار، ولا يبتعد كثيرا عن فظائع الصور التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حتى عن اللوحات الفنية التي يغص ببعضها البحر كدواليب للنجاة ليس من العمق، بل من السطحية المستشرية.

بعض الفنانين استطاعوا في فترة قياسية تقديم ومضات-هي لوحات معبرة، منها من اختنق تحت سطوة الاستنساخ الذي لا يخدم هول المأساة، بل ينتزع فتيلها، وبعضها أخرج المأساة من “صورتها” فاعتصر قلب العالم أكثر حتى شعر من جديد بنبضاته. نذكر منها أعمال للفنانين برهان حاجو، ريم يسسوف، أحمد بركاوي، تمام عزّام، وغيرهم، ومع ذلك فمن أكثر الأعمال تأثيرا هي تلك التي تصور الصبي الكونيّ يسير على الشاطئ، وكأنه يكلّم ذاته (بالرغم من بساطة تقنية التنفيذ).

أذكر أيضا عمل للفنان مهند عرابي ترقى في الشكل إلى حيوية المضمون، إذا أردنا قراءة لوحة الفنان تلك من خلال فكر بودريار فسنراها “اللوحة-الصورة” التي ستنحى من سيل الصور اليومية، ناجية من فخ الافتراضية الباردة، لأنها تتصدى لهذه بلغتها الباردة، ولكن الإنسانية.

ربما أهميتها تكمن في كونها لا ترزح تحت “بساط” بورخيس ولاهي من نسيجه، إنها خارج الـ”هنا” الحيواني-القاتل، في اتصال عضوي بإنسانيتنا. إنسانية ستنحدر درجة حرارتها مجددا حتى تصل إلى ما أطلق عليه الرائي- العالم بودريار “درجة الصفر”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر