الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الحب والخبز والجبن

الجبن في بلاد العرب ليس الجبن في أوروبا، بل إنه يختلف مذاقا وطريقة صنع بين مدينة وأخرى في البلد نفسه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/09/22، العدد: 10046، ص(24)]

أحلى مشهد حب في تاريخ الشعر كتبه عبدالرحمن الأبنودي وصار أغنية لفايزة أحمد. تقول الأغنية “قاعد معاي اللي بحبه وأريده قاعد معاي/ وبنقسم اللقمة ونضحك وبنشرب شاي”.

هناك من يزعم أن مشهد المناجاة من البلكونة في روميو وجولييت هو الأجمل. لكنه مشهد عادي وخصوصا لمن زار القاهرة. يعني مشهد المرأة في البلكونة والرجل على الأرض مشهدا مكررا في أي شارع في القاهرة حين تخاطب الشغّالة بواب العمارة في ساعات الضحى. تقف الشغالة في الشرفة وتنادي البواب لتتأكد هل أحضر شيئا أو أنها بصدد أن تطلب منه شيئا نيابة عن أصحاب البيت. كل هذا يتم من البلكونة ويذكّر بروميو وجولييت.

الذي يزين مشهد الأبنودي وتقاسم اللقمة والضحك وشرب الشاي هو اللقمة. أحب هذا الشعر لأني متأكد أن اللقمة جبن وخبز. الانسجام بين الخبز والجبن سماوي رائع وطبيعي توصل إليه الإنسان منذ أقدم العصور. كلاهما، الخبز والجبن، فيه صلابة ومطاوعة في آن واحد. وكلاهما تعبير مقطّر عن ثقافة وحضارة وذوق شعب.

أحرص على أكل جبن محلي في كل بلد أزوره، والبلد الذي لم أذق جبنه أشعر أني لا أعرفه. وهناك بلدان لم أزرها لكني ذقت جبنها وأحس أني أعرفها. أعرف عكا لأني أكلت الجبن العكاوي. تونس زرتها أربع مرات ولا أعرفها لأني لم أذق جبنها المحلي. في الفندق كانوا يضعون جبنا أوروبيا ما فيه روح فلاحي تونس ورعاتها. هذا فضلا عن أنهم يقدمونه على شكل شرائح رقيقة، والجبن يجب أن يؤكل ويمضغ وله حجم وكتلة في الفم.

الجبن في بلاد العرب ليس الجبن في أوروبا، بل إنه يختلف مذاقا وطريقة صنع بين مدينة وأخرى في البلد نفسه. تلال يوركشر تنتج الونزليديل وسهوب ويلز تصنع الكيرفيلي مثلا. ليس هناك جبن واحد بل أجبان ذات أشكال وهشاشة وصلابة مختلفة. وكلها تجد أليفها في الخبز المحلي.

إذا أردت أن أوفي الجبن حقه فعلي أن أضع كتابا من عدة أجزاء، عشرة على الأقل. لكي أدوّن كل مشاعري حول الجبن ينبغي أن أطيل وأسهب وما أظن أنه عندي بقية من العمر لإيفاء الجبن حقه.

ويظل الجبن غائبا عن الأدب العربي رغم روعته. لم يكتب عنه بشار بن برد أو المتنبي ولا حتى أحمد شوقي. الأبنودي يظل الوحيد رغم أنه لم يوضح ماهي اللقمة التي كان يأكلها الحبيبان. لكني واثق أنها جبن وخبز مع الشاي. لا يمكن لصفاء اللحظة أن يكتمل إلا بالجبن الأبيض مع الخبز.

والذي يثيرني في المشهد ويجعلني أغبط الرجل الذي فيه هو أنه يتقاسم اللقمة مع الحبيبة. ليس هناك أروع من تقاسم الأكل مع امرأة تحبك لأنك ستحصل على أكثر من نصيبك بكثير. لاحظ أن المرأة حين تجالس الحبيب لا تأكل إلا لمِاما، بل قد لا تأكل إطلاقا، لدواعي الوَلَه والرومانسية. وبذلك يؤول إليك الجبن والخبز كله.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر