الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

تلك أمانيهم من فاجعة 'منى'

القافزون على دماء شهداء منى يقفون في طابور طويل، كل منهم يلهث لسانه بذكرى الضحايا، ولكن جوهر القول سياسة واستراتيجيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/09/30، العدد: 10052، ص(9)]

ما حصل في مشاعر “منى” من تدافع مميت أفضى إلى وفاة أكثر من 1000 حاج صبيحة يوم النحر، أمر مفجع وكارثة بشرية تستوجب الوقوف عندها مليّا لمحاسبة المقصّر ومساءلة القاصر، ومن ثمة استخلاص الدروس الكبرى الملطخة بدماء القتلى قصد الحيلولة دون تكرار المأساة مجددا في مواسم الحج القادمة.

موسم حج 2015 اصطبغ، للأسف، بحادثين أليمين، واحد في الحرم المكي بعد سقوط الرافعة على رؤوس الأشهاد، وثان في اليوم الأول من أيام التشريق، على الرغم من الجهد الجهيد الذي تبذله المملكة العربية السعودية لتسهيل مواسم العمرة والحج والمشاريع العملاقة التي دشنتها الرياض لتأمين النجاح في موسم الحج، والتي بدأها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وواصل خلفه الملك سلمان بن عبدالعزيز على نفس الوتيرة وفي ذات المسيرة.

وعلى اعتبار أنّ السياق الإستراتيجي الذي يلف ويحف بموسم حج 2015، سياق حساس ومضطرب جدا، فإن العديد من الأطراف الإقليمية طوعت ووظفت حادثة منى سياسيا قصد النيل من المملكة العربية السعودية لا على سبيل المناصحة والاسترشاد، وإنما في سبيل تسجيل نقاط إستراتيجية في مرمى الرياض وتحقيق مآرب سياسية لصالحها.

القافزون على دماء شهداء منى يقفون في طابور طويل، كل واحد منهم يلهث لسانه بذكرى الضحايا، ولكنّ جوهر القول سياسة واستراتيجيا. حيث تعمل الآلة الإعلامية لإيران، المتصدرة لطابور الدول المنددة، على توظيف فاجعة منى كورقة رابحة في منافستها الإقليمية للسعودية، حيث تعمد طهران على فتح جبهة صراع جديدة مع الرياض التي تمثل حجرة عثرة حقيقية وقوية في وجه المشروع الفارسي.

كثيرا ما حاولت إيران اللعب على المشهديّة المحلية السعودية والرهان على حالة داخلية في الشرق الحجازي عبر اللعب على الوتر الطائفي، بيد أنّ كلّ مطامحها ومطامعها سقطت في الماء، اليوم تحاول طهران ركوب الحدث الدامي قصد الاستنقاص من الأداء السعودي والتشكيك في قدرة الرياض على احتضان أكبر حدث عالمي سنوي.

بدورها، تدخل تركيا على خط المزايدة على المملكة العربية السعودية بزعم الاهتزاز في التنظيم والاضطراب في التنسيق، إلا أن أصل الإشكال التركي مع السعودية لا يكمن فقط في فاجعة منى وإنما في السعي التركي إلى بناء قوة مرجعية رمزية في الوجدان السني، ورغبة أنقرة الدائمة على تقديم نفسها كبديل وسطي منفتح من داخل البيت الإسلامي السني.

هنا تصبح المزايدة التركية تجسيدا واستحضارا لصراع “سياسي ثقافي” طويل بين “القبلة الدينية” ممثلة في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف، والقبلة السياسية مجسمة في إسطنبول آخر عاصمة خلافة إسلامية، ولئن دارت الخلافة الإسلامية بين عدة عواصم عربية وإسلامية فإنّ العقل والفؤاد الإسلاميين بقيا متعلقين بمهبط الوحي ومسكن الرسول صلى الله عليه وسلم.

بموازاة تركيا يقف الإخوان المسلمون في ذات طابور المتباكين على شهداء منى ساعين لا فقط إلى خلق أزمة داخلية في مصر تصل تبعاتها وتداعياتها إلى صلب العلاقة المصرية السعودية التي باتت بعد أحداث 30 يونيو 2013 تحالفا إستراتيجيا، وإنما هم يريدون استنزاف العمق الإستراتيجي لمصر الجديدة، والذي تمثل الرياض وأبوظبي أهم لبناته على الإطلاق.

في هذا المفصل السياسي يجتمع الإخوان المسلمون مع تركيا وإيران في نفخ الروح في دعوة رتيبة طوباوية قديمة لوضع المشاعر المقدسة تحت إشراف منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، وهي دعوة يراد من خلالها لا تحييد الأماكن المقدسة عن أي حساسية سياسية، وفق ادعائهم، وإنما تقويض بنية النظام السعودي وخلخلة أركانه الرمزية الدينية.

لن نصادر حقّ البلدان التي فقدت طائفة من حجيجها في التنديد والشجب وفي الحزن على أبنائها، كما لن نخفي حقيقة أن هناك تقصيرا وقصورا في مقاربة الأمور وفي استباق الأحداث من الجهات المختصة في السعودية، ولكن الحقيقة الأكثر عمقا أن هناك من يرفع “أقمصة” شهداء منى كقميص عثمان، ظاهره الحق والعدل والإنصاف، وباطنه حسابات إقليمية ورهانات دولية وأمان سياسية، وهؤلاء فقط هم من يجترحون دم شهداء منى مرة ثانية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر