السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

زوارق للبيع في المزادات العلنية

لا يخفى على أحد أن 'سعر' أعمال الفنان المتوفى، أو الشقي حتى مماته هو سعر باهظ في معظم الحالات.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/10/01، العدد: 10053، ص(16)]

منذ أكثر من ثلاثين سنة قال العالم الاقتصادي وليام بومول “أن أسعار الأعمال الفنية تطفو على السطح من غير هدف حقيقي، وقد أنهكتها أفعال من يصرّ أن يجعل منها استثمارات مالية”. ويبدو أن الأمر لا يزال على هذه الحال، لا بل أكثر من أي وقت مضى، في حين جرت العادة أن تنظم المزادات العلنية، والخاصة في العالم حول أعمال فنية شهيرة لفنانين عالميين وذائعي الصيت.

تسعى الكثير من المزادات التي تقام في المنطقة العربية عموما وفي لبنان خصوصا إلى تكريس مفهوم جديد لماهيتها، عبر تقديم أعمال فنية معاصرة لم يمض على فترة ظهورها أكثر من خمس سنوات، وقد أثارت هذه الظاهرة تساؤلات لا تحصى ولا تزال حتى الآن دون إجابة.

فالعديد من الضالعين في شؤون الفن ينظرون إلى تلك المناسبات الفنية على أنها فخاخ منصوبة لأصحاب المال والخبرة القليلة بشؤون الفن، على اعتبار أن تلك المزادات هي أشبه بفقاعات صابون لن تلبث طويلا قبل أن تتلاشى مخلفة وراءها خيبات كثيرة، وغضبا شديدا عند الذين أصرّوا “بأن يجعلوا من تلك الأعمال الفنية استثمارات مالية”.

ربما يرى البعض في هذا الموقف تحاملا كبيرا على الفن الشرق أوسطي المعاصر، ولعله كذلك. إذ هل على الفنان أن يتضوّر جوعا قبل أن “يطفو” عمله على سطح الوجود؟ أم عليه أن يكون محتضرا أو ميتا، لكي تثار حول أعماله الجلبة وتقام المزادات؟

لا يخفى على أحد أن “سعر” أعمال الفنان المتوفى، أو الشقيّ حتى مماته هو سعر باهظ في معظم الحالات. أما الفنان التشكيلي الحيّ وبالأخص الصاعد من أتون الأزمات الحالية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، فعليه أن ينتظر وفاته الشخصية لكي يرتفع سعر منجزه الفني، أو أن يبقى على وتر التوجس والقلق من احتمال أفول نجم موهبته -وهذا ممكن حدوثه-، وبالتالي اضمحلال مثابرته على ممارسة الفن.

إن الكثير من الأعمال الفنية المعاصرة قد لا تستحق كل الضوء المسلط عليها، ولكن ثمة العديد من الأعمال تستحق أن تحقق لأصحابها الشهرة والشعور بالأمان المادي، ولا سيما أن الكثير من الفنانين المعاصرين يمارسون الفن بشكل شبه حصري ويعتمدون على مردود الأعمال للعيش، وعلى الأقل، لمواصلة العمل الفني.

لم تعد فكرة الفنان المستوحش أو الفقير أو المأزوم نفسيا تتحمل كل ذلك التعظيم التي كانت تناله في زمن مضى.

فإذا كانت كمية من الضغط النفسي أو الحساسية العالية، أو المغايرة في النظرة إلى الوجود ضرورية لمدّ العمل الفنيّ بطاقة سحرية، فإن القهر أو الحال المعدم كفيل أيضا بسحق أيّ رغبة في الحياة، وبالتالي أية رغبة في الرسم. لا بأس بأن تقام المزادات العلنية لأعمال فنية لم تمرّ عليها سنة واحدة، لتعرض وتباع وليتحقق مردود مادي للفنان ولمدير أعماله أو للصالة الفنية التي سعت إلى إدخاله لفضاء المزادات العلنية.

هذا الفضاء هو نموذج مصغّر عن العالم الذي نحيا فيه، فيه المجنون والعاقل، والمتذوق الرفيع والغافل كليا عمّا يرى أمامه، ويوجد المزيف ومعسول اللسان، كما يوجد الثريّ والمحبّ لاقتناء الأعمال الفنية ليس لأنها استثمارات مالية أكيدة تدعم مكانته الاجتماعية، بل لأنها بالنسبة إليه زوارق من ضوء لا ينطفئ، تسرح على صفحات حياته، الصفحات التي يريد قلبها لكنها تستعصي عليه، أو تلك التي لا يريدها أن تغيب فتوغل في غيابها.

من يشتري عملا فنيا بدافع الحب الشديد فقد أفلح استثماره، وكل غير ذلك هو ضرب من ضروب الرّياء.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر