الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

لا نريد 'قرامطة' جددا في العالم الإسلامي

المطالبة بإسناد الإشراف على الأماكن الإسلامية المقدسة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي تعبر عن غرض سياسي واضح.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2015/10/06، العدد: 10058، ص(7)]

يهاجمني البعض بدعوى أنني أدافع عن موقف المملكة العربية السعودية في مواجهة الاتهامات الإيرانية ومحاولات تسيسس الحج المتكررة واستغلال هذه المناسبة الدينية الكريمة من أجل تحقيق أهداف سياسية.

ولاشك أن السعودية تبذل من الجهود ما يحتاج إلى دفاع من قلمي ولا من غيري، بل يكفي نظرة موضوعية منصفة لما يبذل في الأماكن المقدسة سنويا للتعرف إلى حجم هذا الجهد الهائل من أجل خدمة حجاج بيت الله الحرام.

الإحصاءات وحدها كفيلة بتوضيح ماتم إنجازه من أجل راحة الحجيج، فمليارات الدولارات تنفق سنويا لتوسعة الحرمين الشريفين وتعبيد الطرق وإنشاء الجسور والأنفاق الحديثة ودعم البنى التحتية والمرافق الصحية والخدمية، فضلا عن إنشاء مخيمات ضد الحريق في منى تكلفت لوحدها نحو خمسة مليارات دولار.

ولاشك أن اتهام سلطات المملكة بالتقصير هو قول جارح وناكر للحقائق، فليست هناك دولة في العالم ولا حتى مجموعة من الدول قادرة على استضافة نحو ثلاثة ملايين حاج أو زائر في أيام معدودات وتحريكهم في الأماكن ذاتها وفي أوقات واحدة ومتزامنة بمثل هذه الدقة والراحة، ولا ينكر جهود السعودية على هذا الصعيد سوى جاحد أو حاقد أو ساع للفتن وناشر لها.

إن الأعداد المتزايدة من زوار بيت الله الحرام سنويا، بسبب الزيادة التقليدية في أعداد المسلمين في العالم، ومن ثم زيادة الحصص الخاصة بكل دولة وفقا للنسب المتفق عليها في هذا الشأن، دفعت السلطات السعودية إلى رفع طاقة استيعاب المسجد الحرام إلى نحو مليون وربع مليون مصل، في واحد من أكثر مشروعات القرن الحادي والعشرين تكلفة في العالم، بالنظر إلى ما رافق هذا المشروع الضخم من هدم للعقارات ودفع للتعويضات وغير ذلك من أرقام فلكية تتجاوز ميزانيات الكثير من دول العالم.

وإذا كان هناك إجماع إسلامي على كفاءة الإدارة السعودية وعدم تقصيرها في تنظيم موسم الحج، فإن الاتهامات والدعوات التي تنطلق من بعض العواصم الإسلامية مثل طهران وأنقرة للمطالبة بإسناد الإشراف على الأماكن الإسلامية المقدسة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي وتدويل هذه الأماكن، إنما تعبر عن هوى في النفوس وغرض سياسي واضح قائم على أهداف ونوايا توسعية تستدعي من التاريخ أخبث مؤامراته واسوأ فتراته.

إن الزج بالأماكن المقدسة في صراع سياسي تحاول إيران إشعاله في المنطقة هو لعب صريح وخطير بالنار، ومؤامرة لا تستهدف سوى إشعال حرب مذهبية سنية ـ شيعية، وتعيد إلى الأذهان مؤامرات عدة تعرضت لها الأماكن المقدسة عبر التاريخ، وفي مقدمتها فتنة القرامطة وما فعلته هذه الطائفة الشيعية في مكة المكرمة في القرن الرابع الهجري، حين هاجمت هذه الطائفة مكّة المكرمة خلال موسم الحج واستباحت الحرم المكي وسفكت الدماء وارتكبت من الجرائم ما ينكره الدين والشرع الحنيف، حيث قتلت نحو ثلاثين ألفا من الحجيج وأهل مكة، في عام 317 هجري، وقامت بسبي النساء وخلعت باب الكعبة الشريفة ونزعت الحجر الأسود من مكانه، ونقلته إلى بلادها حيث استمر هناك نحو أكثر من عقدين حتى أعيد إلى مكانه الأصلي.

والقرامطة لمن لا يعرف هم في أرجح الأقوال والأدبيات الفقهية والدينية فرقة من فرق الطائفة الإسماعيلية، التي هي من الطوائف الشيعية المعروفة، حتى وإن تنكروا لها أو أنكروها. والقرامطة وغيرهم من الفرق الضالة في تاريخ الإسلام حتى عصرنا الحديث، التي كانت، ولا تزال، تتذرّع بالدفاع عن الدين وتطبيق شرع الله، فقد كان مؤسس القرامطة حمدان بن الأشعث القرمطي، وهو فارسي تظاهر بالورع والتدين والزهد. وكان يدعي الدفاع عن المظلومين والمستضعفين في الأرض.

ويرفع أتباعه أثناء القتال الآية الكريمة “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين” (سورة القصص، الآية5). وتشير بعض كتب التاريخ إلى أنهم كانوا يسبون الأنبياء ولا يطبقون أحكام الشرع الإسلامي، وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك في الخفاء حيث يتظاهرون في العلن بالورع والإيمان لجذب البسطاء والجهلاء من العوام.

إن قراءة التاريخ تشير إلى بشاعة ما كان يرتكبه القرامطة من الشيعة في حق قوافل حجاج بيت الله الحرام، حتى أنهم دخلوا مكة بالخديعة وبدعوى أنهم جاؤوا للحج ولا يحق لأحد منعهم من أداء هذه المناسك، ودخلوا مكة وقتذاك في موكب من نحو ستمئة مقاتل وألف من الأتباع ثم غدرو بالحجاج وأهل مكة وظلوا يقتلون الناس نحو ثلاثة أيام، وقاموا برمي الجثث في بئر زمزم وكان هذا الفعل من أشد جرائم الفرق والطوائف الضالة في تاريخ الإسلام.

كان حمدان القرمطي مؤسس فرقة القرامطة كارها للدولة العباسية، وساعيا للقضاء عليها وبناء دولة فارسية واعتمد في ذلك على ادعاء التقوى والإيمان بالإسلام والورع للحصول على ثقة العوام والبسطاء وركز على عصب الشعوب، وهم الشباب، حيث أفتى لهم بالانحلال واستحلال الشهوات واستباحة الزنا والخمر والنساء وقيل إنهم أباحوا كل المحرمات حتى نكاح المحارم ما جعل شريحة كبيرة من الشباب تهرب إليهم، ولعل في ذلك المشهد السحيق ما يشبه الحاضر في كثير مما تفعل الدول الراعية للارهاب الشيعي والتنظيمات الارهابية المتطرفة وما أشبه الليلة بالبارحة.

إنها صفحات سوداء من تاريخ الفتن التي نرجو الله ألا تعود، ولكن الادعاء بغير الحق وإنكار دور السعودية في تنظيم موسم الحج ومحاولة الافئتات عليها زورا وبهتانا يعيد إلى الذاكرة مشاهد ومؤامرات التاريخ البعيد. فالخطاب الحاقد الذي يتفوه به القادة الإيرانيون ضد السعودية يحمل رياح كراهية فارسية قومية لا علاقة لها بالدفاع عن الإسلام وحماية المسلمين، ولنتذكر جميعا أن القرامطة ـ كما ذكرت ـ كانوا يرفعون آيات الدفاع عن المستضعفين من المسلمين في حروبهم وقتالهم ثم ينقلبون إلى سفك الدماء وسبي النساء وهتك الأعراض واستباحة بيت الله الحرام.

كاتب وباحث في القضايا السياسية – الإمارات العربية المتحدة

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر