الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

ثلوج موسكو في بغداد

روسيا التقطت كلمات أوباما على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرفته 'بياع كلام' وتأكدت أن عليها الذهاب بسرعة إلى المياه الدافئة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/10/07، العدد: 10059، ص(9)]

تظاهرات يوم العطلة، أو تظاهرات يوم الجمعة، لم تمهل الكافرين بمصير الشعب العراقي رويداً رويداً، صعوداً إلى غضب ساطع، بل المنطقة الخضراء أمهلت المتظاهرين رويداً رويداً نزولاً إلى اليأس، وتفريطاً ببقايا الآمال المعلقة بالشعب واحتمال ثورته لإنقاذ حياته أو الدفاع عنها.

حلقات القوة المفترضة في العراق هي الحكومة والبرلمان والجيش والأمن والقضاء، ولا ننسى السلطة الرابعة المتمثلة بالصحافة والإعلام، كذلك النقابات المهنية التي كان لها دور مشّرِف في أجزاء من تاريخ العراق، وأيضاً “المؤسسات” الدينية المتنعمة بصدقات المؤمنين حتى الفقراء منهم، المتضرعين من أجل لقمة عيش أو رحمة، في المحصلة تبدو كل تلك السلسلة، حلقات مفقودة، أضاعت أسباب قوتها لارتهانها إلى قرار لا تملكه.

حكومة مخجلة، وقادة يكذبون على العالم، ويحققون الانتصارات الوهمية على الإرهاب، ويمضون في نظامهم الديمقراطي الإصلاحي وشعارات التغيير، ليتجاوزوا فصل غضب الصيف إلى أن تهدأ أعصاب المتظاهرين بالتجهيزات المناخية التي ستوفر الطاقة الكهربائية ليعود الناس إلى بيوتهم، متسربين من تظاهرات يوم الجمعة.

برلمان، لا علاقة له بأخطر ما يجري في العراق من تحالفات ومشاريع وإرسال مقاتلين إلى خارج حدوده، لا يعترض ولا يطالب، ولا يوجد من يطالبه بتحمل مسؤوليته في ظرف حرج يشبه إدخال شعب إلى غرفة إعدام أو تفريغ طاقات شبابه أو إبادة وعيه.

الجيش، لن تنفع معه “المورفينات” مؤقتة الخدمة من تجهيز أو إعداد أو تدريب، لأن إدارته وقادته موظفون يتبعون المخططين في غرفة عمليات الحرس الثوري الإيراني. الجيش الحالي لا يمكن تسميته أو ربطه بتاريخ القوات المسلحة العراقية، لأن قرار الثأر والانتقام تم الإعداد له في الذاكرة الصهيونية والفارسية عقاباً لسجله في التصدي لهما، ومع كل فوضى القرارات المقصودة في دمج الميليشيات الإيرانية التي كانت تقاتل الجيش العراقي من خارج الحدود ونفذت أولى العمليات الإرهابية في العراق نصرة لإيران إبان حرب الثمانينات.

مع ذلك، وجود مؤسسة عسكرية رسمية رغم كل هزائمها المنكرة مع الإرهاب، وبعيداً عن المداخلات، تظل قاصرة عن تلبية الطموحات الإيرانية، لأنها ترتبط بنظام الدولة والحكومة وتخضع للتعامل مع القوى الفاعلة على الأرض، وأهمها أميركا بتبعية التسليح ومفردات التدريب، ولهذا توجهت إيران إلى استخدام بديل عسكري يضمن لها تبعية مطلقة ورسمت له خط سيره الذي يلتهم ربما في لحظة ما الحكومة والقرار في العراق، على ضعفهما. ما يحصل الآن ليست إلا مؤشرات لبداية هضم العراق وحلم عودته، لتصبح الإصلاحات والثورة في أيام العطل وفصل الصيف، أضحوكة مساطيل لا يعرفون السبيل إلى بيوتهم أثناء ليلهم الطويل.

مع كل ضعف وهزال الشخصيات والأحزاب الحاكمة، يجب على شعب العراق والمتظاهرين منهم أن يعلموا أن جاهزية ثورتهم ليست في طلب الإصلاح واستجداء رحمة مجموعة خونة وسراق المال العام، إنما في الاقتصاص العادل حتى من قضاء يشرع بقاء الفساد وجر العراق إلى مشاريع أصبحت قائمة على الأرض وتمضي إلى تمزيقه.

الشعوب هي المرجع الوحيد للتغيير، وهذا التغيير لن يأتي إلا بالصوت المسموع في الداخل وفي حاضنتنا العربية والمنظمات الدولية، لا تكفي غضبة الناس على مواقع التواصل إنما بالتجمعات والإعتصامات، لان العراق أصبح في خلفيات الاهتمام للرأي العام العالمي رغم فداحة الواقع على أرضه.

في كل الحروب هناك خطوط دفاع متتالية لتفادي انهيار الخط الأول أو الثاني، لكن العراق فقد كل خطوطه، إذ لا يمكن اعتبار حكومته خطاً للدفاع عن مصالح شعبه، وكذلك جيشه وأمنه وبرلمانه وقضائه. تم تسليم الأمر إلى “ولاية” الفقيه الإيرانية، ومنها إلى قيصر الاتحاد الروسي المنفعل الذي استحوذ على شبه جزيرة القرم، ونفد بجلده من العقاب لأن توازن الرعب النووي لا يسمح بإخراجه كما فعلوا مع العراق في حرب الكويت.

الذرائع كالقنابل الروسية والأبرياء مجرد أرقام في الأرض السورية أوالعراقية تحت كل صنوف الموت، النظامان في البلدين تخلّيا عن شعبيْهما وتركوهما إما في السجون أو مخيمات اللجوء أو خيمة حلم الوصول عبر قوارب الموت إلى أوروبا، النظامان وفرا لنفسيهما خط دفاع أول متمثل بإيران وميليشياتها، وخط آخر يحتضن إيران والعراق وسوريا متمثلاً بالتدخل الروسي الذي يسعى لتطبيق شعار الإبقاء على النظام السوري ولو كلف ذلك حرق البلد.

روسيا التقطت كلمات أوباما على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرفته “بياع كلام” وتأكدَت أن عليها الذهاب بسرعة إلى المياه الدافئة، وحددت مدة لا تزيد عن أربعة أشهر كحد أعلى ربما يكفي لبلورة واقع جديد في الأزمة السورية وفي العراق أيضاً. هل ستكون المنطقة الخضراء والسفارة الأميركية مضيفاً لقادة الاستخبارات الروسية؟ وهل ستغطي الثلوج سماء وأرض بغداد لتتحقق نبوءة قديمة لفصل شتاء متأثر بالمنخفض الجوي في موسكو؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر