الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

تعال وتفحّصني عن كثب

محبو اقتناء اللوحات يعتقدون بأنه إذا لم يكن للفنان حضور في أحد المزادات العلنية، فذلك يعني أنه ليس موجودا على الساحة الفنية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/10/08، العدد: 10060، ص(16)]

عندما كنت، خلال سنوات عديدة مضت، أكتب عن الفن التشكيلي في أحد المواقع الإلكترونية كان يختار لي ما يجب أن أكتب عنه، كان ذلك بالنسبة إلي أمرا مزعجا لأني لم أكن -ولا أزال- أستسيغ الكتابة إلاّ عمّا أحب أو أكره.

كما لا أخفي أنني كنت أفضل ألا يذكر اسمي على العديد من تلك المقالات التي كنت أصنفها بـ“الباردة”، ومع ذلك يجب الإقرار أنه كانت لذلك إفادة مهنية كبيرة، إذ كنت مجبرة على أن أخرج من ذاتي لأكتب دراسة، بعدد محدد من الكلمات، لا يختلف فيها معي أحد، كلمات لا تنتقص أو تضيف شيئا جديدا على ما تراه أي عين خبيرة أو شبه خبيرة.

لا يعني ذلك بتاتا أني انتهيت من بناء نصوص مبنية على منطق “علمي”، إذا جاز التعبير، بل يعني ذلك أنني اكتسبت حرية أكبر في الاختيار، وبالتالي نتجت عن ذلك حرية أكبر في الكتابة والحكم. بت في أغلب الأحيان لا أكتب إلاّ لألبي نداء شيّقا تطلقه أعمال أو معارض فنية محددة، نداء مضمونه “تعال، وتفحّصني عن كثب”.

لا ريب أن هناك العديد من صالات العرض الفنية يمتلك أصحابها ما يشبه هذا الموقف الشخصي من الفن، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسـألة تفضيل العديد من هواة اقتناء الأعمال من المعارض الفنية الضخمة بشكل عام ومن المزادات العلنية بشكل خاص عوضا عن اختيارها من الصالات الفنية الخاصة.

في هذا الصدد أكدت نادين ربيز، صاحبة أعرق صالة فنية في بيروت “عدد كبير من محبّي اقتناء اللوحات يعتقدون بأنه إذا لم يكن للفنان حضور في أحد المزادات العلنية، فذلك يعني أنه ليس موجودا على الساحة الفنية، وفي ذلك إجحاف كبير للفن بشكل عام”.

كما يوجد عدد لا بأس به من هواة جمع اللوحات الذين يفضّلون شراء عمل لفنان معين -على سبيل المثال أذكر الفنان اللبناني جميل ملاعب- من مزاد علني وعالمي على أن يشتروه من الصالة الفنية التي احتضنت تجربته واختصت بعرض أعماله.

من المؤكد أن في ذلك ضررا ماديا للصالة الفنية التي اعتادت أن تعرض لهذا الفنان أو ذاك، لكن الأمر يتخطى ذلك بكثير.

يكفي أن نسمع هذا التعبير الذي قوامه الاختصار الشديد لمسيرة أي فنان “اقتنيت جميل ملاعب” أو “اقتنيت إيلي كنعان”، وهو تعبير اعتاد على تناقله هواة جمع الأعمال الفنية، لكي نعي “الضرر” من تفضيل اقتناء عمل لهذا أو ذاك الفنان من سوق المزاد العلني، عوضا عن اختياره من معرض فردي تخصصه الصالة الفنية له.

معرض يمكن فيه الالتقاء بالفنان والتحاور مع صاحب الصالة الخبير بأعماله المعروضة منها وغير المعروضة، والمدرك بالخبرة أن ليس كل “جميل ملاعب”، أو كل “شفيق عبّود” على نفس المستوى من الأهمية، إن كان ذلك من الناحية الفنية أو التقنية أو أهمية المرحلة التاريخية التي تشكل فيها هذا أو ذاك العمل.

الأمر مشابه للكتابة عن عمل فني، فكثيرا ما يشار إلى المحرّر الثقافي، بداعي اختصار الوقت، أن يطلب من صاحب الصالة إرسال صور عن الأعمال الفنية كي يستطيع الكتابة عنها، هذا انتقاص فادح لما يمكن أن يكتب عن أيّ عمل فني أو معرض.

الدخول “جسديا” خارج وقت الافتتاح وبكل الحواس إلى الصالة، حيث تقف الأعمال بصمتها الناطق، وبعطر مواد التلوين المنبعث منها، معتقا كان أم طازجا، هو جزء من التجربة الفنية ووصال لا بدّ منه، خاصة إذا كنت من الذين لا يذهبون إلى معرض فنيّ، إلاّ إذا كان تلبية لنداء “تعال، وتفحّصني عن كثب.. ثم اكتب”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر