الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الرباعي التونسي وثنائية القلب والعقل

في العادة تمنح جوائز نوبل للداعين للسلام في سياق الحرب، أمّا في حالة الرباعي الراعي للحوار فإنّ الجائزة منحت لـ'عقد' اجتماعي سياسي بين التونسيين.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/10/13، العدد: 10065، ص(8)]

لم يكن الرباعي الراعي للحوار في تونس مجرّد إطار تنظيمي للتسوية السياسية في البلاد تؤمّن الانتقال الديمقراطي على قاعدة “الكلّ رابح”، وإنما مثّل تجسيدا للذكاء الجمعي التونسي في القدرة على الخروج من مآزق الحاضر عبر تشكيل قوّة رمزية مرجعية فوق الأحزاب السياسية.

لا يكمن الاستحقاق التونسي فقط في القدرة على الحسم الاجتماعي والسياسي بين فرضيتيْ الدمار والحوار، وإنما في التمكن من تحويل “المجال العمومي” من مقولة فلسفية إلى مفاعيل سياسية واجتماعية واقتصادية في البلاد تحتوي الصراع الذي كان مشتعلا أفقيا وعموديا في تونس عصر الترويكا.

استحضرت تونس من التاريخ القريب ونعني به عصر محاربة الاستعمار وفترة بناء الدولة الوطنية “قوى التوسط بين الدولة والمجتمع” لإصلاح حاضرها واستقراء مستقبلها، فوجدت في الاتحاد العام التونسي للشغل خير معين للقوى الحرّة والتحررية وللطبقة الشغيلة الكادحة، وأدركت في الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية خير منبع للطبقة الرأسمالية “النظيفة” الرامية لإصلاح البلاد والعباد دون فتك بالطبقة المتوسطة. وبين القوتين الاقتصاديتين، النقابة الشغيلة ونقابة رؤوس الأموال، حضرت قوتان حقوقيتان موغلتان في صناعة التاريخ التونسي ونعني بهما الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، أول رابطة عربية للدفاع عن حقوق الإنسان، واتحاد المحامين معقل رؤساء تونس ومسقط أكبر الزعماء السياسيين المعارضين والحاكمين.

كان الرباعي الراعي للحوار بمثابة حزام مدنيّ فوق التجاذبات السياسية الضيقة في تونس عصر الترويكا، وكان يمثل الإجماع التونسي في زمن كان الخلاف يشقّ كافة مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية.

هنا فقط يتجسم الذكاء التونسي الجمعي في إدراكه لـ”ثنائية” عقل الوطن وقلبه والذي دونهما لا يعمل أي جسد وطني، فلئن مثّل الاتحادان “النقابة العمالية والنقابة الرأسمالية” عقل تونس، حيث أنهما الساعد والمال والإنتاج والبذل والعطاء، فإنّ قلب تونس لا ينبض إلا برافعة مدنية حرّة وبأصوات حقوقية تدافع عن الضعيف والمهمش والمكلوم والمظلوم. استعانت تونس الحاضر بقلبها وعقلها وتمكنت من تجاوز أزمة سياسية خانقة كانت تمهّد لنماذج الدمار في بلدان عربية ليست ببعيدة عن الوطن.

قوى الإجماع الرمزي أو “ثنائية القلب والعقل” غابت بوصلتها في الكثير من البلدان العربية المحترقة اليوم بنيران الاحتراب الداخلي، حيث تردت إلى هوّة الأوار بعد أن عجزت عن إحياء القوى المرجعية لديها أو بعد أن فقدت تلك القوى قدرتها التوافقية عقب انحيازها إلى أحد أطراف الأزمة السياسية.

الرباعي الراعي للحوار يعطي شيئا من المصداقية لمقولة أنّ الشخصية القاعدية التونسية هي شخصية مسالمة وهادئة وذكية في اصطفاء أوقات التسويات والمصالحات، في وقت يدكّ فيه المقاتلون “التونسيون” صلب التنظيمات التكفيرية في عدة أقطار عربية تلك المقولة ويفتحون في مجال البحث الأنثروبولوجي براديغم جديد حول العنف المتجذّر في الشخصية الهادئة أو المهادنة.

في العادة تمنح جوائز نوبل للداعين للسلام في سياق الحرب، أمّا في حالة الرباعي الراعي للحوار فإنّ الجائزة منحت لـ”عقد” اجتماعي سياسي بين التونسيين كافة للخروج من حالة “اللاحوار” إلى الحوار، ذلك أنّ القيمة الشرعيّاتية للرباعي تتجسد في قيمته الإجماعية التوافقية في زمن فقدت فيه كافة الشرعيات الانتخابية والاقتراعية شرعيتها في الحكم.

عبر جائزة نوبل للسلام لا بد من تكريم 3 أطراف رئيسية، الأوّل الشعب التونسي الرافض لحالة “اللاحوار” ناهيك عن الدماء أو الدمار. الثاني بعض الأطراف السياسية الموجودة في سدة السلطة آنذاك التي أدركت أنّ الشرعية الانتخابية انتهت صلاحيتها بانتهاء العام الأوّل من فترة إنجاز الدستور. الثالث الشهيدان شكري بلعيد ومحمد البراهمي اللّذين أدخلا تونس مرحلة ما بعد الأخونة وما بعد الاصطفافات الإقليمية.

عبر جائزة نوبل للرباعي الراعي للحوار لا بدّ من معاقبة الأطراف السياسية التي رفضت الحوار وأدارت ظهرها للرباعي خاصة ولتونس عامّة. هذه الأطراف لا تستحقّ أن تكون جزءا من الذكاء الجمعي التونسي أو جزءا من خارطة الطريق لإنهاء حالة الفوضى، أو جزءا من تونس اليوم أو تونس الغد.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر