الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

العلمانية المفترى عليها.. كلنا سلفيون إلا قليلا

العلمانية مطلب إنساني أفضل ضمانة لحرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر، وعدم التعرض لأي مؤمن بأي دين أو مذهب بأذى، ولو بالسخرية، 'عسى أن يكونوا خيرا منهم'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/10/13، العدد: 10065، ص(9)]

في أغسطس 1995، نشرت مجلة “أدب ونقد” ملفا عن قضية الدكتور نصر حامد أبوزيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس. وكتبت تحت عنوان “الذبح بالأحكام” أن “مئة عام من التنوير ضاعت هباء، فهل تحول المثقفون إلى كائنات غامضة، تعيش في غيتو بعيدا عن التأثير؟ فعلى مدى ما يزيد على ثلاث سنوات كتب عن ‘قصة أبوزيد’ أضعاف ما كتب عن قضايا المصادرة على مدى التاريخ العربي… فكيف ذهب كل ذلك سدى؟ سؤال يجب أن يرد عليه المثقفون، ليعرفوا على أي أرض يقفون؟ ولماذا فقدوا فاعليتهم وخسروا المعركة”. كانت تلك إحدى المعارك الخاسرة.

بعدها قلت للأستاذ محمود أمين العالم إن في الشارع قطاعين، أحدهما اكتسب وعيا دينيا طائفيا موجها، يعتبركم ملحدين، منقوصي الإسلام على أحسن تقدير، أما القطاع الآخر فيضم خليطا من متعلمين وأميين ومن لديهم وعي ديني فطري، هؤلاء لا يعنيهم خطاب ثقافي لا يستهلكه إلا منتجوه. وسألته: ألا تشعر أن كثيرين من منظري اليسار المصري بالغوا في “الكلام” باسم العمال والطبقات الكادحة، وربما لم يدخل أحدهم مصنعا؟

كان الرجل من أبرز المتفائلين النبلاء، ويبدو أنني أغضبته، فانطفأت ابتسامته الدائمة، وقال: “معك حق”. ولم أكن قد عرفت، آنذاك، أن كارل ماركس نفسه لم تطأ قدماه “مصنعا أو منجما أو أي مكان عمل طوال حياته”، كما ذكر بول جونسون في كتابه “المثقفون” الصادر في لندن عام 1989، والذي ترجمه طلعت الشايب، وصدر في القاهرة 1998.

ما لم أقله للأستاذ العالم إن عموم المواطنين يتحسسون أخلاقهم إذا سمعوا كلمة “الليبرالية”، إذ يصوّرها الخطاب الديني مرادفا للفجور والانحلال، كما تصيبهم صدمة لذكر مصطلح “العلمانية” الذي يعني الإلحاد، وجاءت ثورة 25 يناير 2011 ليثبت ميدان التحرير بدلالاته أن العلمانية لا تعادي الدين، وتحترم العقائد كافة، وترفض المساس بها. كانت لحظة إشراق نادرة أغفلها الليبراليون والعلمانيون، فلم يؤسسوا عليها وعيا بالاتصال المباشر بقواعد شعبية انفرد بها اليمين الديني، فتوالت العثرات إلى اليوم.

في بداية الحياة النيابية في مصر قبل نحو مئة عام، التبس مصطلح الليبرالية على العامة فأسقطوا أبا الليبرالية أحمد لطفي السيد، وفي عام 2015 لا يزال مصطلح العلمانية نقيض الدين من وجهة نظر حاملي درجة الدكتوراه، فاهتز يقينهم الديني لقول وزير إن الشعب المصري علماني بالفطرة، وإن مصر كانت دائما علمانية.

في الحالة الأولى تمكن منافس لطفي السيد أن يوحي للناخبين أنه “ليبرالي”، وأن الليبرالية تعني الكفر والموافقة على “تبادل الزوجات”، فلما جاء “أستاذ الجيل” سألوه: أنت ليبرالي؟ فأجاب: نعم، من دون أن يدرك وقوعه في فخ اغتيال معنوي، وتضليل امتد في المسافة بينه وبينهم، وقد اتسعت لتشويه المصطلح عن عمد.

وفي الحالة الثانية، ورغم إتاحة وسائل التواصل، يتأكد انغلاق اليمين الديني على ماضيه الخاص، واستعصائه استخدام العقل الذي هو معجزة الإسلام، فلا يريد أن يعيد النظر في فهمه الخاص لمصطلح العلمانية، لا فرق بين “المهندس” عبدالمنعم الشحات، و”الطبيب” يونس مخيون زعيم حزب النور السلفي، وطبيب الأطفال المشوه نفسيا ياسر برهامي، و”الدكتور” ناجح إبراهيم الذي أحبه وأصدّق توبته عن الدم، وأشفق على طيبته المفرطة.

بدا الكلام عن علمانية مصر طعنا في دينهم. هذا الهوس نتيجة استظهار دروس الفقه عابرة الأزمنة، وغياب مواد دراسية مهمة عن مناهج الأزهر الذي يؤهل خطباء بعضهم يتمادى، ويمنح نفسه لقب “الداعية”، والداعية عدو لما يجهل، وهو يجهل بالفعل التراث الشعبي المصري، من الثالوث الإلهي “إيزيس وأوزير وحورس”، والذي استنسخ في أشكال دينية وشعبية تالية. هذا الداعية المشغول بإعادة قصص وأساطير في صدر الإسلام مشغول عن مجتمعه، لا يرى أن الوعي الشعبي أثمر القول المأثور: “موسى نبي وعيسى نبي وكل من له نبي يصلي عليه”، المرادف الشعبي لآية: “لا نفرق بين أحد من رسله”، والعلمانية مطلب إنساني أفضل ضمانة لحرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر، وعدم التعرض لأي مؤمن بأي دين أو مذهب بأذى، ولو بالسخرية، “عسى أن يكونوا خيرا منهم”، وأنه لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى وما يقدمه للإنسانية من عمل مفيد، أما السياسة وشؤون الحياة فأمر “علماني”، فأنتم أعلم بأمور دنياكم، مثل قيادة سيارة أحد من المشايخ يتولاها سائق خبير ليس شرطا أن يكون صوّاما قوّاما.

الحكم الديني المبكر انتهى عام 1362 قبل الميلاد بثورة شعبية دمرت العاصمة “أخيتاتون”، وراح ضحيتها صاحب الدعوة “أخناتون” وزوجته “نفرتيتي” وأمه “تي”. من موقع الحاكم غيّر أخناتون ديانة “آمون” التي تسمح بتعدد الآلهة، وتجاور المختلفين وتعايشهم، فثار الشعب على دمج وظيفتي الكاهن والملك في شخص أخناتون الذي جمع السلطتين في شخصه، للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ مصر.

بعد إنهاء تجربة الإخوان المسلمون في مصر، لم يعد دمج سلطتي الكاهن والملك ممكنا، وإن اتخذ عدة صور، نتيجة مادة الدين الدستورية التي استند إليها قاض فرّق بين نصر حامد أبوزيد وزوجته، وبسببها يطالب “إسلامجية” باستتابة وزير تكلم عن التاريخ العلماني لمصر، ويتنطع محام فيرفع قضية ردة على ممثلة لبست الحجاب ثم خلعته، ويتنطع محام آخر فيرفع دعوى حسبة على نجيب محفوظ، لقوله في صحيفة “الأخبار” في ديسمبر 1994 لممرضة، عقب محاولة اغتياله: “يبدو أن الجبلاوي راض عني”، ويتفرغ رئيس الوزراء لمنع عرض فيلم، وترفض المحكمة الإدارية العليا ترشح الراقصة سما المصري للبرلمان، بحجة إقدامها: “على مجموعة من التصرفات بما يخرجها عن المسلك القويم والتمسك بحسن الخلق وتوشحها بالحياء اللازم للمرأة”، القاضي هنا يحاكم ولا يحكم في واقعة، فلا يملك أدلة ولا قرائن إدانة بارتكاب مخالفة، ولكنه يقود “محكمة تفتيش”.

الضابط والمحامي والقاضي والشيخ وأستاذ الجامعة ورئيس الحزب ورئيس الدولة يمارسون نفاقا اجتماعيا، يتباهون بحراسة بوابة ما يرونه “الأخلاق”.

هؤلاء القابضون على رقاب الشعب لم يتحرروا ويبلغوا الرشد العلماني، بأفقه الإنساني الرحيب، لأن دعاة العلمانية أقل إخلاصا لناسهم، أكثر وفاء لكارل ماركس الشاعر الحالم القائل: “أنا آلة محكوم عليها بالتهام الكتب”. ويسجل جونسون أن ماركس رفض دعوة فريديريك إنجلز ليصحبه لمصنع نسيج، “أما الأكثر إثارة.. فهو عداء ماركس للرفاق الثوار.. العمال الذين أصبحوا على وعي سياسي”. لم يكن لمثل هذا “العداء” وجود بالنسبة إلى مفكرينا، ولكنهم لم يعثروا على شفرة يلتقطها الجمهور فيتصدى لحراس “الأخلاق”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر