الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

فرع الثقافة الأمني

الوزيرة أرادت أن تدير الوزارة بعقلية رئيس الفرع الأمني فقد قامت بشراء أجهزة تنصت لتركيبها في غرف مديري إدارات الوزارة لكي تسمع وتعرف كل ما يدور وراء أبوابها المغلقة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/10/13، العدد: 10065، ص(15)]

بلغ الإغواء الذي مارسته السلطة الأمنية في سوريا حدا عجيبا، تجاوز الخضوع لسلطتها، إلى محاولة استخدام أساليبها وممارساتها، في العمل الثقافي، الذي يفترض به أن يكون نقيضا لكل هذه الممارسات، التي تتنافى مع أبسط حاجات الثقافة للحرية والإبداع.

المفارقة العجيبة أن هذه الظاهرة برزت مع بدء مرحلة الانفتاح التي كان يروج لها نظام بشار الأسد منذ وراثته للسلطة، من خلال تعيين وزيرة للثقافة، جيء بها من الصفوف الخلفية لتحتل صدارة العمل الثقافي على خلاف توقعات من كانوا يظنون أن هذه المرحلة سوف تجيء بشخصية ثقافية اعتبارية، تناسب المرحلة الجديدة وتتوافق مع شعاراتها المرفوعة.

والحقيقة أن المشكلة لم تكن تكمن في الشخصية، التي اختيرت لهذا الموقع فحسب، بل في الأسلوب الذي اعتمدته بحجة تخليص مؤسسات الوزارة من هيمنة الشيوعيين عليها، على الرغم من أن الحزب الشيوعي هو عضو فيما سمي بالجبهة التقدمية، ومن أكثر حلفاء نظام الأسد إخلاصا، وأن بعض من أعفتهم من وظائفهم لم يكونوا شيوعيين، وكان هذا البعض كأنطون مقدسي من العلامات المضيئة التي حافظت على شيء من القيمة لعمل هذه الوزارة، التي تربعت على كرسيها نجاح العطار أكثر من ثلاثة عشر عاما.

أرادت هذه الوزيرة أن تدير الوزارة بعقلية رئيس الفرع الأمني، فقد قامت بشراء أجهزة تنصت بلغ ثمنها مليون ليرة سورية، لتركيبها في غرف مديري إدارات الوزارة، لكي تسمع وتعرف كل ما يدور وراء أبوابها المغلقة، وكأن الوزارة تحولت إلى فرع أمني، أو مديرية أمن ثقافي بالوكالة.

لم تكن خطورة هذا السلوك تكمن في هذا الفعل من حيث تحويل العمل الثقافي إلى عمل أمني، والشخصية المنوط بها تفعيل الحياة الثقافية وتأمين مناخ الحرية لها لكي تتطور، بل في تغلغل التفكير الأمني داخل عقول من يفترض بهم موقعهم أن يكونوا بعيدين عن هذه التأثيرات، لكي يستطيعوا كسب ثقة المثقفين، وتعزيز العمل الثقافي الوطني، لكن العقلية الأمنية والحزبية المغلقة، التي أنتجتها مرحلة التغول الأمني، وسيطرتها على كل شيء في الدولة والمجتمع، جعلها تنتج هذه الظواهر التي حاولت أن تتماهى معها تفكيرا وسلوكا.

حاولت الوزيرة السابقة في ما سبق ذلك أن تعطي للثقافة هامشا، يساعدها على إنجاح مهمتها بصورة معقولة، لكنها تركت مديرياتها على حالها، ما جعل البعض يظنون أنها إقطاعية خاصة بهم، فانتشر الفساد الذي عززه سكوت الوزيرة عنه، حتى بلغ الأمر بعامل فني في مطبعة الوزارة أن يتحول إلى مشرف فني على مطبوعاتها، لكي يتقاضى أجرا إضافيا مجزيا، عن عين على أساسه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر