الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الأزهار الربيعية تحت مطرقة السرد المتخفيّ

أزهار تنمو في لوحات لم ترسم بعد، قد يدع لها الفن المعاصر مكانا ما، لتُطلق أوراقها معلنة عودتها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/10/15، العدد: 10067، ص(16)]

أعيد مؤخرا افتتاح متحف نقولا إبراهيم سرسق للفن الحديث والمعاصر بعد أكثر من سبع سنوات على إقفاله بداعي التجديد. سبق أن زرته قبيل افتتاحه في جولة لم تخل من شعور غامض بالضيق، خاصة لدى وصولي إلى الطابق المخصص لتخزين مقتنيات المتحف الفنية. مجموعة فنية ثمينة وضبت بعناية كبيرة وغُلّفت بشكل مُحكم وموافق للمعايير العالمية التي تتبعها متاحف العالم الأكثر أهمية.

رافقتني في هذه الجولة الاستكشافية المسؤولة الإعلامية عن المتحف التي تولت بإتقان شديد التعريف بهذا القسم من المتحف “غير المفتوح للزائرين”، وتعداد الفنانين الذين حفظت عن ظهر قلب أسماءهم والمراحل الفنية التي انتموا إليها.

ربما كان سماع “النشرة السياحية”، التي تولت المسؤولة الإعلامية تلاوتها على مسامعي دون توقف، من أحد أسباب الشعور بالضيق الذي أصابني، وربما كان ذلك أيضا بسبب شدة البرودة التي كانت تبثها آنذاك آلات التبريد العديدة.

لمحت يومها أسماء بعض الفنانين، الذين غابوا، مكتوبة على رأس مساحات محددة أود أن أطلق عليها بـ”المكدسات” الفنية، بالرغم من الاهتمام البالغ الذي أحيطت به سواء من حيث التوضيب أو من ناحية التصنيف.

أذكر على سبيل المثال اسم جوليانا ساروفيم وعمر أنسي، وإيفيت الأشقر، وشفيق عبّود وبول غيراغوسيان وغيرهم، ولكل واحد من هؤلاء الفنانين ذكرى مرتبطة بلحظة مؤثرة ما من حياتي حين كنت طفلة.

من جوليانا ساروفيم أذكر، وليس بوضوح، ليلة زرت افتتاح معرض من معارضها مع والدي، أذكر قامتها الطويلة بثوبها الطويل والفضفاض والرقيق الذي يشبه أشرعة السفن التي كانت ترسمها في لوحاتها السوريالية.

يومها اعتبرت أنها خرجت من لوحاتها من أجل الافتتاح، لذا كان علينا أن نسرع ونتكلم معها قبل أن تعود إليها من جديد. أما عن إيفيت الأشقر أذكر اللون الأحمر المضيء الذي كنت أعزو سببه إلى تواطؤ سرّي مع الشمس، ومن عمر أنسي أذكر بيته البيروتي الكامن على رأس تلة صغيرة.

كانت نوافذ غرفتي في منزل العائلة تشرف عليه وعلى الزهور البرية شديدة الاصفرار، التي كانت تنمو قربه عند حلول كل فصل ربيع. “البيت مسحور وفيه لوحات جميلة جدا” كانت والدتي تقول لي. كلما كانت الرياح تصفر ليلا من خلال شقوق نوافذ غرفتي، كانت تقول لي مُطمئنة “قريبا ستزهر زهور البيت المسحور”. ومع ذلك فهذا البيت “المسحور” كان غير قادر على منع هدمه لاحقا، بدل أن يتحول إلى متحف يحتضن لوحات صاحبه الغزيرة و”الجميلة جدا”.

في العادة لا أذهب إلى مناسبات افتتاح المعارض، إلاّ إذا لزم الأمر أو حين يكون أحد العارضين من الأصدقاء. لكنني قررت على غير عادة أن أجيء إلى افتتاح متحف سرسق، ربما لكي أرى إن كان الشعور بالضيق الكبير الذي أصابني في الزيارة الأولى قد تلاشى، أو على الأقل عزم على الكشف عن هويته.

وسط جوّ الافتتاح “البرستيجي” لا الشعور بالضيق غادر ولا هو كشف عن نقابه. تعرفت على الكثير من الأعمال المعلقة على الجدران، لكنني لم أرغب، ولسبب غامض هو الآخر، أن أقف أمام أيّ منهم.

كانت زيارتي خاطفة، لا يعود ذلك إلى المتحف في حدّ ذاته ولا إلى زواره الأنيقين الذين تفوح منهم أزكى العطور وأغلاها، بل يعود ذلك إلى إحساس برع الروائي الأميركي بول أوستير في وصفه حين قال “أسير في العالم كأنني شبح، وأحيانا أتساءل عن وجودي، لا بل أتساءل إن كنت موجودا”.

لعل السرّ يكمن في قلب الأزهار الصفراء البرية التي تكمّم أفواه الرياح المُحركة لأكثر الأفكار سوداوية، أزهار تنمو في لوحات لم ترسم بعد، قد يدع لها الفن المعاصر مكانا ما، لتُطلق أوراقها معلنة عودتها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر