السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

'تدعيش' الأبرياء لكي يثوروا على الآلهة

الشاب الذي كان يجهل السياسة اعتقل ظلما، وأيقن أن في الأرض جبارين، آلهة من دون الله، عليه أن يواجههم، ولن تكون المواجهة متكافئة إلا إذا استعان بخطاب السماء وسلح غيره بأدوات البشر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/10/20، العدد: 10072، ص(9)]

أكثر من أربعين عاما تفصل بين “عبدَيْ الرحمن”، تعددت الأسباب وتشابهت البدايات والدروب، وآمل أن تختلف النهايات. من المعتقل، خرج عبدالرحمن الأول ينوي الانتقام من الإله، وأفتى بقتله، وقد كان. وعبدالرحمن الثاني ينتظر، ولعل الله يمنحه السكينة، بعضا من عقلانية حرم منها جلادوه وهم يظنون أنهم يحكمون بالحق.

في مصر إصرار غير مفهوم على أن تكون السجون والمعتقلات مفرخة للغاضبين، يخرجون فيعلنون الحرب على الجميع، بمن فيهم أبرياء مرشحون، مثلهم، لتلقي أقساط متفاوتة من الظلم، إذ يرونهم متواطئين بالصمت ولم يثوروا، واكتفوا بالكلام لإبراء الذمة، ثم لا شيء آخر. لا نريد الاستفادة من دروس التاريخ، من عمر عبدالرحمن إلى أحمد عبدالرحمن السجين البريء.

في مصر إصرار على إعادة التاريخ، مع الجهل باختلاف السياق، وتباين طبائع البشر، وازدياد الوعي لدى جيل لا يدين لأحد بشيء. فماذا لو فقد اسمه، واستبدل باسمه رقما في السجن، وهو يوقن بأنه بريء؟

بعد اعتقاله في أكتوبر 1971 حمل الشيخ عمر عبدالرحمن رقم “24”، جردوه من اسمه، من بين ما يفقده معتقلون منزوعو الحقوق. يروي سعيد الكفراوي الذي كان يحمل رقم “23” أن المعتقل رقم “24” كان ذا صوت شجيّ، يقرأ القرآن في ليالي الشتاء فيشعر جيرانه، من خلف أبواب الزنانين، بدفء يحملهم إلى سماء لم تنصفهم. كان المعتقلون ينصتون إلى عذوبة التلاوة، ويجدون فيها عزاء عن الظلم. يحكي الكفراوي أنه كان يسمعهم يحققون مع رقم “24” ويسبّونه، لا يسألونه عن جريمة ارتكبها بل يفتشون في قلبه. يقول لهم “ما فيش ديمقراطية”، فيسأله المحقق: ماذا تعني الديمقراطية؟ والشيخ يجهل الديمقراطية؛ فلا يعرف الإجابة فيقول له المحقق: “يا ابن الكلب يا أعمى القلب والنظر ما دمت ما بتعرفش في السياسة إيه اللي دخلك في السياسة؟”.

الشاب الذي كان يجهل السياسة اعتقل ظلما، وأيقن أن في الأرض جبارين، آلهة من دون الله، وأن عليه أن يواجههم، ولن تكون المواجهة متكافئة إلا إذا استعان بخطاب السماء، وسلح غيره بأدوات البشر، فانتزع آيات من سياقها التاريخي، وحقق “مكاسب” في جولات المواجهة التي لم تقتصر على قتل أنور السادات، بل شملت فرج فودة ونجيب محفوظ ولكن الله سلم.

كان يمكن لوساطة حكام الحجاز أن تؤدي إلى العفو عن سيد قطب، لو أنكر اتصاله بالأميركان، في قضية قلب نظام الحكم (1965). قضية أنكرها قادة تنظيم الإخوان طويلا، ثم أصبح الصقور من أعضاء التنظيم السري يتباهون بها، وسجل بعضهم طرفا منها، وطبيعة دور سيد قطب الذي رد على الوساطة الحجازية قائلا إنه استعان بأهل الكتاب لهدم “الطاغوت”. فتوى سيكررها بصيغة أخرى ابن باز القائل بجواز “الاستعانة بالكفار الأميركان في قتال حزب البعث وزعيمه صدام حسين” بعد احتلاله الكويت، واتفق معه متولي الشعراوي، وسيحمل يوسف القرضاوي بجدارة لقب “مفتي الناتو” بعد ثورة الشعب الليبي على القذافي.

عاصفة انتقام عمر عبدالرحمن لم تتوقف عند محطة “الآلهة”، وأصابت شظاياها بشرا أبرياء، فقبل أشهر من مقتل السادات، أفتى باستحلال أموال النصارى الذين يستكثر عليهم الإسلامجية صفة “المسيحيين”، فاستولت “الجماعة الإسلامية” في يونيو 1981 على أربعة من محلات الذهب في نجع حمادي، بعد قتل عدد من المسيحيين، وبعد شهرين استولوا على محلين للذهب لمسيحيين في القاهرة. ولن يتردد الشيخ في السفر بتأشيرة مريبة إلى أميركا، “الشيطان الأكبر”. سألته الأميركية ماري آن ويفر مؤلفة كتاب “صورة لمصر.. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة” عن هذه المفارقة، فأجاب “كل يغني على ليلاه”، في تراجيديا ستتكشف فصولها في وقت لاحق، تفك ألغاز انفتاح حدود مصر والسودان والحجاز والخليج وباكستان جسرا بين أفغانستان وأميركا التي احتضنت مركزا للجهاد أداره، بتوجيه عبدالله عزام، المصري مصطفى شلبي الذي عثر عليه بمسكنه في مارس 1991، مقتولا بطعنات ورصاصة في الرأس. كان شلبي استقبل عمر عبدالرحمن في أميركا عام 1990 وأكرمه، ثم اختلف مع الشيخ، واتهم باختلاس نحو مليوني دولار من تمويلات يتلقونها للجهاد. الجريمة لغز، وحين سئل الشيخ عن علاقته بشلبي أو مقتله، قال “أنا لا أعرف هذا الرجل”.

هل نتخيل مصيرا آخر لعبدالرحمن الأول لو لم يعتقل ظلما، ويعذب وتمتهن آدميته قبل 44 عاما؟ وكيف نتوقع مصير عبدالرحمن الثاني، وطبيعة انتقامه؟

هو أحمد عبدالرحمن، شاب بريء، إنسانيا وجنائيا، وقع ضحية قانون حظر التظاهر، غير الآدمي غير الدستوري، وصار، القانون وعبدالرحمن معا، عنوانا لمعتقلي المصادفة. عند مروره بمظاهرة لمحتجين على قانون التظاهر أمام مجلس الشورى بوسط القاهرة، في نوفمبر 2013، رأى بلطجية يعتدون على فتيات فسارع لإنقاذهن، وقبض عليه مع المتظاهرين، وكان يحمل شنطة فيها أغراض بسيطة: صابونة وسكين صغيرة لتقطيع الفاكهة والخضر أثناء السهر في وردية الحراسة كفرد في شركة أمن خاصة. في التحقيقات أقر بأن السكين تخصه، ورفض نصيحة المحامي بالإنكار. اتهم بحيازة سلاح أبيض ولم يكن الصدق منجاة.

ما يقال عن عبدالرحمن الثاني يمكن قوله عن إسراء الطويل المتهمة بحيازة كاميرا وجهاز لاب توب، هما أداتا مصورة صحفية متهمة بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة. اتهام يسهل على محام مبتدئ تفنيده لولا تعذيب الفتاة بتجديد حبسها للمرة التاسعة على ذمة القضية، رغم معاناتها من ضمور شديد في عضلات الفخذ والساق، وتكفي صورتها، وهي تهبط من سيارة السجن للوصول إلى المحقق تتوكأ على عكاز، لكي يرى المحقق ببصيرته أن ظلما يجري تعميمه.

مع عبدالرحمن الثاني وإسراء الطويل وغيرهما، يمكن فهم السلوك الغاشم لشرطة تريد الثأر، منذ كسرها وإهانتها في “جمعة الغضب”، فأين بصيرة وكيل النيابة، وحكمة قاض لم يقرأ آية “لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظلم”. ربما لا يكتفي مظلوم بالقول، وعلى القضاة قراءة سيرة عبدالرحمن الأول.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر