الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

المقهى الثقافي

رواد هذه المقاهي من المثقفين نوعان، نوع كان يدمن الجلوس فيه يوميا، كطقس يومي لا يمكنه الاستغناء عنه، ونوع كان لا يذهب إليه إلا بسبب موعد مع صديق.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/10/20، العدد: 10072، ص(15)]

الدور الذي لعبه المقهى في الحياة السياسية والثقافية السورية كان هاما، وذلك من خلال ارتباط العديد من وقائع هذه الحياة الأساسية خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي به. ما جعل هذا الفضاء يشكل جزءا مهما من الذاكرة الوطنية وتاريخها. لكن هذا الفضاء بدأ يفقد أهميته ووظيفته مع استيلاء عسكريي البعث على السلطة في مطلع الستينات.

التحول في وظيفة المقهى لم يكن بسبب تغير مزاج رواده، أو أصحابه وإنما كان نتيجة إلغاء الحياة السياسية والحزبية في سوريا، بعد أن استأثر البعث بالسلطة والعمل السياسي، واتبع سياسة القمع والأحكام العرفية في ملاحقة معارضيه، حتى أصبحت وظيفته لا تتعدّى التسلية وتجزية الوقت مع بعض الأصدقاء.

وفي دمشق كما في حلب كانت هناك مقاه خاصة للمثقفين، يلتقون فيها ويتبادلون فيها الحديث حول بعض القضايا الثقافية، وفي أحيان أخرى لممارسة النميمة، خاصة أن اللقاءات كانت تتمّ على الأغلب على أساس المواقف المشتركة والتقارب في المصالح. لكن ما ميّز المقهى الثقافي في مدينة حلب عن دمشق الانتقال من مقهى إلى آخر، بينما بقي مقهى الروضة في دمشق هو المكان المفضل عند المثقفين وبعض الفنانين للاجتماع.

رواد هذه المقاهي من المثقفين نوعان، نوع كان يدمن الجلوس فيه يوميا، كطقس يومي لا يمكنه الاستغناء عنه، ونوع كان لا يذهب إليه إلا بسبب موعد مع صديق، أو لقضاء بعض الوقت وتبادل الأحاديث مع رواده من الأصدقاء.

وعلى الرغم من اتساع مشاركة المرأة في الحياة الثقافية، إلا أن حضورها فيه بقي محدودا، ما جعل فضاء المقهى يظل فضاء ذكوريا بامتياز، غالبا ما كان اختراق المرأة له يثير فضول الكثيرين، الأمر الذي جعل الكثير منهن يفضلن اللقاء في مقهى الهافانا، رغم ارتفاع أسعار المشروبات التي يقدمها، وارتياد العديد من السماسرة وزبائنهم له.

مع انتشار مقاهي الإنترنت بدأت تلك المقاهي التقليدية تفقد أهميتها بالنسبة إلى الجيل الشاب، الذي وجد في المقاهي الجديدة وسيلة مثلى للتواصل ومتابعة النشاط الثقافي، من خلال العديد من المواقع التي أخذت تستأثر باهتمام هذا الجيل، إضافة إلى ما تؤمنه لهم من هدوء واختيارات متعددة، وفقا لرغباته واهتماماته الثقافية.

لكن الجيل الأكبر ظل مداوما على ارتياد هذه المقاهي، ولا سيما أنها كانت في كثير من الأحيان تؤمن لهم فرصة للقاء مع مثقفين عرب، كانوا يحضرون لزيارة دمشق، إضافة إلى معرفة ما يحدث في كواليس الحياة الثقافية. رغم ذلك كان الخوف من آذان وعيون المخبرين فيها هو الهاجس الأول الذي يلاحق الجميع.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر