الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

متلازمة ستوكهولم في الحافلة

في أوروبا اليوم تحولت مشاعر الكراهية لدى السيد الأبيض من السود إلى المسلمين، ومن استقرت في وجدانه القنانة يكره ما يكرهه السادة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/10/20، العدد: 10072، ص(24)]

القِنانة تصبح روحا ووجدانا. حين يُستعبد الإنسان يظل لفترة حرا وطليقا في داخله ويتحين فرص الهرب والتمرد، لكنه يستكين بعد حين ويقبل العبودية. يصبح يرى الأشياء بعيون السيد. شيء من متلازمة ستوكهولم في هذا. السيد يطعمه ويكسيه ويؤويه.

لا يوجد من عانى من العبودية مثل الإنسان الأسود. لسبب أو لآخر استعبد لقرون. كانوا يصيدونهم ويحملونهم في السفن إلى بقاع العالم المختلفة. في الولايات المتحدة عملوا في مزارع القطن عملا مضنيا ولا إنسانيا. وكان السيد الأبيض ينتقي من انكسر تماما وتمكنت منه العبودية ويسمح له بالخدمة في البيت، حيث يكون على مقربة من البيض في حجر نومهم ولا ضرر منه.

الذي يسمح له بدخول البيت يقال له “زنجي البيوت”. مأمون الجانب ويشعر عبر حواس سيده. بل إن أحدهم حين يغضب من زنجي آخر يقول له “أيها الزنجي القذر”.

وفي أوروبا دخلوا البيوت كبُدعة في القرن السابع عشر. وهناك قصة حقيقية عن كونتيسة أرستقراطية فرنسية كان عندها عبد وسيم مفتول العضلات يلازمها. حبلت الكونتيسة وولدت طفلا أسود. فسّرت لهم السيدة الأرستقراطية الأمر بأن قالت “هذا لأني أسرفت في شرب القهوة”. وكان زوجها والقصر كله والقرية مستعدون لتصديق ذلك وصدقوه. لأن البديل هو افتراض أن الرجل الأسود يمكن حتى أن يلمس امرأة بيضاء وكونتيسة أيضا. وهذا مستحيل. واستساغوا حكاية القهوة لأنها البديل المريح.

في أوروبا اليوم تحولت مشاعر الكراهية لدى السيد الأبيض من السود إلى المسلمين. ومن استقرت في وجدانه القنانة يكره ما يكرهه السادة. هنا تفسير حكاية المرأة السوداء التي هاجمت المسلمات في حافلة النقل العام الأسبوع الفائت.

المساكين ما صدقوا أن السيد يكره ناسا أكثر منهم حتى انضم المستعبَد منهم تماما إلى السادة وتفجرت عنده كراهية هو ليس منها في شيء. وهذه ظاهرة لمستها منذ أكثر من عقد في إنكلترا.

متلازمة ستوكهولم هذه لا تتوقف عند السود. هناك عرب ومسلمون يكرهون أبناء جلدتهم تمثلا بالسيد الأبيض. اطلعت على رسوم كاريكاتير سمجة لعربي مسلم يقيم في باريس يسرف في الإساءة والشتيمة الموجهة إلى قومه من عرب ومسلمين ليربت السيد الأبيض على كتفه. ووصلت بهم العبودية حد أنهم ينحنون شكرا وامتنانا للسيد لمجرد أنه لا يصفعهم.

عندما أصل إلى مطار هيثرو أتوخى أن أروح عند مسؤول جوازات أبيض وليس من أبناء المهاجرين لأن احتمال العنت أقل بكثير عند الأبيض المتسيّد بطبعه. المهاجر سيحاول في الغالب إثبات أنه يستحق الثقة التي أولاها إياه السيد ويسرف في إيذاء بني جلدته. ولا ننسى أن رجال الشرطة السود في ظل الابارتهايد في جنوب أفريقيا كانوا أكثر وحشية من البيض بكثير. وابن خلدون لاحظ أن المغلوب يتشبه بالغالب.

لكن المفرح هو أن هذه الظاهرة، متلازمة ستوكهولم، لا تلمّ بأكثر من ثمانية في المئة من المغلوبين. والسيدة السوداء في الحافلة منهم ومسؤولو الجوازات في هيثرو كلهم من الثمانية في المئة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر