الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

في الإنجاز المؤجل

كان بديهيا أن يصدر روائي كعبدالرحمن منيف روايته الأولى بعد سن الأربعين، وأن تكون المسافة الزمنية بين رواية وأخرى لصنع الله إبراهيم وغالب هلسا وإلياس خوري ومحمد برادة وغيرهم في مرحلة ما، سنوات.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/10/21، العدد: 10073، ص(15)]

في بعض مقاطع سيرته البديعة “صور الماضي” تحدث هشام شرابي عن النزعة الشفاهية لأستاذه شارل مالك، التي أخذته إلى الإغراق في مظاهر المحاضرة والسجال، مع ما يتصل بهما من ذوبان في الشأن الثقافي العام، وهي النزعة التي زاغت بصاحبها عن الإنجاز المعرفي الحق، وأبقته أسير التأجيل المطرد لمشاريع التأليف والكتابة، التي كان مؤهلا لها خلال عمله بالجامعة، قبل أن ينصرف كلية إلى العمل السياسي والدبلوماسي، وتبتلعه طاحونة الخطابة المهدرة لطاقة التركيز والتحليل والتجميع المتأني. مخلفا كتابا يتيما، أسماه “المقدمة”.

ولقد سيطرت سمة التأجيل وما يتصل بها من استهتار لا واع بالكتابة والنشر، على عدد كبير من المفكرين العرب، ممن حوّلوا الكتابة إلى صفة مجازية تدل على الانشغال والنوايا، أكثر مما تتصل بالرصيد المتحقق، حيث استثمر عدد منهم في العملية التعليمية، وانصرف بعضهم إلى تكوين الطلائع الحزبية، بينما انشغل آخرون بالمهام الرسمية.

والظاهر أن حسن الظن بالزمن، والنظر إلى المستقبل بما هو امتداد متدفق دون حدّ، كان سمة مرحة للمدّ القومي، ما بعد استقلال الدول العربية، وبداية تكوّن الأنظمة التسلطية في البلاد العربية، حيث أن التسويف غير العقلاني، والشك في قيمة المكتوب، والمراجعة الدائمة، وامتحان الأفكار مرات تلو المرات، في النقاش اليومي الحالم والمتطلع إلى الأفضل، التقى مع تقلص مساحات الحرية وتقييد حركة النشر، وتسليط الرقابة على الصحافة والمطبوعات، لينتج لنا أعلاما في النظر النقدي والسياسي والفلسفي والسوسيولوجي والتربوي دون مجد معرفي، ولا تحقق ثقافي.

وكان مفهوما أن ينخرط أغلبهم في مواجهة آلة القمع، وأن يناضلوا بشكل جماعي لتحقيق قيم التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والقطع مع تراث الأبوية والجمود والتسلط، وأن يؤدوا ثمن ذلك الإنجاز غير المكتوب، سجنا وحرمانا من الحقوق المدنية، وكان بديهيا أن يصدر روائي كعبدالرحمن منيف روايته الأولى بعد سن الأربعين، وأن تكون المسافة الزمنية بين رواية وأخرى لصنع الله إبراهيم وغالب هلسا وإلياس خوري ومحمد برادة وغيرهم في مرحلة ما، سنوات، وأن يكتفي عدد كبير من الشعراء والقصاصين والنقاد بالنشر المنجم في الصحف والمجلات، مع زهد ظاهر في مراكمة المؤلفات والتصانيف.

استحضر سمة “التأجيل” هنا، بما هي فضيلة منقرضة، عوضتها في عصرنا وفي مشهدنا الثقافي الراهن مظاهر التسرع والخفة المفرطين، واللهاث الطفولي نحو التحقق؛ وتجاوز كلي عن الممارسة الثقافية والمعرفية المبنية على النقاش والمناظرة، حيث باتت تلاحق الإصدارات بصرف النظر عن قيمتها ومدى تأثيرها هو الأجدر بالاهتمام، مما أنتج مئات من الكتّاب المزيفين، وما لا يحصى من الألقاب المعرفية والإبداعية التي تكاد تنحصر وظيفتها في نزع القيمة الرمزية عن الجوهر الثقافي.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر