الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

حين يسكت البوح وتتحدث الأصابع

ثمة لهفة تـدّعي عدم الاكتراث لكنها تتعرى عند أول همسة “ألو” ترتكبها مكالمة رسمية منشـّاة أو غير مقصودة وقد كبـّلتـْها ربطة عنقٍ حريرية ابتدعتـْها يدُ المكابرة.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/10/21، العدد: 10073، ص(21)]

يعرفها من سنين.. وتعرفه كما تعرف صنوها.. بيد أنه لم يحدثْ أن يحدثَ أيّ شيء..

ودون سابق تمهيد.. وفي خضم موتٍ يوميّ وأخبار دامية تشعلُ العالم وزوارق تغرقُ ومدن تتداعى وحضارات يهشـمّها التردّي وحروب ودم وتشرد وسواد.. يقرّران معا أن يتحديا كل شيء ليكونا معاً.. هكذا مرة واحدة.. وبشدّة.. ليرفعا معاً أيضاً لافتة تشيرُ بكل حروفها إلى الجمال.. والجمال فقط..

ابتدأ الأمر بسؤالين يلحّان عليهما دون أن يجرؤ أحدهما على أن يبوح به للآخر.. فصار يسأل نفسه كل يوم “أما آن الأوان حقاً؟.. أما آن للبوح بأن يكفّ عن الكلام لتنوبَ عنه الأصابع والخطوات؟.. ولكن كيف وأين ومتى؟”.. وصارت تسأل نفسها كل يوم “هل لي أن أعشق مرة أخرى؟.. ولكن كيف بعد أن فقدتُ التصديقَ وتلاشتْ المعاني واتخذ العشق شكل الوهم والتحايل على ما يدور حولي؟”.

بدا نداء الطبيعة تحت أديم جسديهما وروحيهما أقوى من الأسئلة وأعتى من الخرائط وأكبر من حجم المسافات وتناثر الأشرعة واضطرام نشرات الأخبار.. وبدتْ الأزمنة والتقاويم أصغر من مساحة أحلامهما بلقيا خارج المتن وبعيدا عن حدود اليوم وبرودة الشاشات الزرقاء والبيضاء والأشعة فوق البنفسجية للواقع..

فجأة يدركان أن ثمة حياة كاملة تنتظر: سمفونيات تداخلتْ وكتب تراكمتْ ومعارض ومتاحف ومسرحيات وآماسٍ وحفلات تعذر حضورها.. وقد صار عتبها عليهما جارحاً: “أما آن الأوان؟”.

لم يعد لصوت البوح بينهما أن يفيَ ببوحه فيستوعبُ حجم المكنون.. فثمة احتواء صارخ يضجّ وهو يستصرخُ توحّدا ظلّ يتباطأ.. وبقيَ يرزحُ دهوراً تحت وطأة التردّد والانتظار والترقب والتأجيل وقد دثـّرتـْهُ الوعود التي لم تكن لتأتي ولو بمصادفة..

فجأة يكتشفان أن ثمة جنوناً يقفُ متخصّراً عند أعتاب بابيهما.. لم يسعفهُ تجاهل ولم يتخطاهُ عمر يجري وبكاء أطفال ولدوا من غير قصد.. أو بيوت بناها الامتثال لليوميّ أو الخشية من اندثار السنين..

ثمة لهفة تـدّعي عدم الاكتراث لكنها تتعرى عند أول همسة “ألو” ترتكبها مكالمة رسمية منشـّاة أو غير مقصودة وقد كبـّلتـْها ربطة عنقٍ حريرية ابتدعتـْها يدُ المكابرة..

ثمة ذاكرة نابضة قـمّطها التناسي.. لكنها عند أول طرقة باب انتفضتْ صارخة مثل عصفورة تتوقُ لزرقة السماء وقد تلبّسـتـْها رغبة برية من جناحات لا تحدّها أقفاص ولا تقفُ عند حدود توقها مسافة أو انواء أو فلسفات أو يوميات أو أوراق ثبوتية أو حواجز أمنية أو مستحيلات تقامرُ على موائد المعجزات..

وفجأة أيضاً.. لم يعد يعنيهما أسئلة مثل “لماذا لم يحدث؟” أو “كيف لم يحدث؟” أو “ماذا لو أنه حدث قبل الآن؟”.. لم يعد يهمّ ندم أو لوم أو تحسـّر.. لم تعد تجدي طروحات تشبه: “كيف كنا؟” و”أين صرنا؟” و”ماذا عما حولنا ومعنا؟”.. ولم يعد للتاريخ تلك الصيغة التي عرقلتْ لقاءهما، ذات عشرين سنة، من معنى سوى أن يكون لذلك التاريخ نفسه حتمية لقاء طال موعدهما معه بعلم أو بقصد أو دون قصد..

يرتفع منسوب الجنون ليغرقَ صوتـُه كل الاحتمالات.. فالزلازل والبراكين ابنة لحظاتها.. ومن اعتنقَ فكرة أو حلماً يشبه الذي يعتنقُ حبيباً أو معجزة..

ولذلك جداً.. فقد آن الأوان..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر