الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

العشق الأعمى

الصورة الفوتوغرافية انفصلت مع مرور الزمن عما تجسده فباتت بدورها على هوى المصور أداة للتعبير الشخصي أو لتحوير العالم المحيط.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/10/22، العدد: 10074، ص(16)]

أكثر الجرائم إدانة هي التي تُرتكب عن سابق إصرار وتصميم، وتلك التي يرتكبها أكثر الناس معرفة بفداحتها. لعلني انتميت دون وعي إلى الفئة الثانية من الناس حين واظبت منذ فترة طويلة على وضع صور لأعمال فنانين على صفحة الفيسبوك دون ذكر أسماء مبدعيها.

نبهني إلى ذلك سؤال طرحه أحد الأصدقاء عندما رأى أحد هذه الأعمال “هل هذه من أعمالك؟”، سؤال مُحق كانت له أبعاد كثيرة في نفسي. فعندما تَنشر صورا عن أعمال فنية بصيغة المجهول تكون قد نسبته إلى ذاتك، أو “صادرته” من صاحبه على غفلة منه.. وكلا الأمرين فعل إجرامي.

ومع ذلك، فمن يملك هذا العمل الفني فعلا؟ هل الفنان الذي أبدعه أو المشاهد الذي “استولى عليه” عبر جعله الناطق باسم خواطره ومشاعره؟ هناك في الحقيقة مالكون لكل عمل فنيّ: المالك الأول، هو الفنان الذي أنجز اللوحة بليغة الأثر. أما المالك الثاني، فهو الذي “أصابه” العمل الفنيّ كما يُصاب العاشق بسهم الحب على النحو الذي انتشر في لوحات الفنان وليام أدولف بوغيرو، وأذكر على وجه الخصوص اللوحة الرائعة التي تحمل اسم “الفتاة وكوبيد”.

الفنان الأول هو والد العمل الفني، أما الثاني فهو الذي يودّ المشاركة به مع الآخرين على صفحات الفيسبوك، كمن يشارك بقطعة من أفكاره أو نفحة من مشاعره في لحظات محددة من وجوده.

هل في هذا الكلام نوع من التبرئة لمرتكب جريمة “سرقة” الفنان الأول صانع العمل الفني؟ ربما، غير أن في ذلك صلة كبيرة بمفهوم الفن في عصر التكنولوجيا.

كانت الحدود التي تحكم النظر إلى العمل الفني مغايرة تماما لما هي الآن، إذ كان للفن التشكيلي مهمة توثيقية كحفظ ملامح شخص ما أو كسرد بصريّ لحوادث معركة ما. ثم غيّر اختراع التصوير الفوتوغرافي مهمة الفن التشكيلي فبات عالما قائما بذاته منفصلا كليا عن مهمة التوثيق وتخليد محطات من التاريخ البشري.

في بدايات توظيف هذا الاختراع اختبر المُشاهد العمل الفني، خاصة إذا كان العمل بورتريه لشخص ما، كنوع سحري قوامه اتحاد الصورة مع الشخص المرسوم. فعلى سبيل المثال اعتبر الهنود الحمر أن التقاط أية صورة لأحد منهم، هو نوع من أنواع سلب الروح وإيقاع موت لا بعث من بعده.

مع مرور الزمن انفصلت الصورة الفوتوغرافية عمّا تجسّده، فباتت بدورها على هوى المُصور أداة للتعبير الشخصيّ أو لتحوير العالم المحيط.

أما الآن، في زمن الإنترنت غير المحكوم بقوانين جميعها واضحة أو نافذة، ربما حدث “انفصال” إضافي، ليس بين الموجود وصورته فحسب، ولكن أيضا بين الصورة وصانعها.

فبات هو، أي الصانع الأول، مجرد وسيط يضع عمله الفني كمادة أولوية بين يدي المشاهد، أو الصانع الثاني، متيحا له أن “يقرصن” الصورة، فينشرها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك بوصفها ناطقة بلسان حاله.

أحيانا يصل الصانع الثاني إلى حد تحوير معنى العمل وإضفاء روح جديدة غير التي أعطاها له الفنان الأول، وذلك عبر إضافة تعليق بسيط أو من خلال إرفاق الصورة بصورة عمل فني آخر تساهم في أخذ العمل الفني بعيدا عن المضمون الأصلي.

ربما في هذا الكلام محاولة تبرير لما جرى على صفحاتي الفيسبوكية، حينما ثابرت على وضع صور لأعمال فنية دون ذكر أسماء الفنانين. هو تبرير ربما يخفف من فداحة “جريمة” حدثت فصولها عن غير قصد، فالعاشق أعمى.. وكل عاشق هو أعمى.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر