السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الجوع بين مواطن وحرامي

المشهد العام للفقر في العراق، نلمسه في الفساد المالي والإداري وتهريب الأموال وغسيلها وانعدام الصلة بين الشعب والسلطة، واللامبالاة بمصير حياة الملايين وتركهم إلى الإرهاب المتنوع.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/10/24، العدد: 10076، ص(9)]

حكومة ملائكية، وصف يشبه النفاق لتبرئة مجرم عتيد ليس في وجهه رحمة ولا في قوامه وصوته ما يدل على أنه “حمل وديع” أو حمامة سلام ممكن أن تثق بها لتكون وسيطا في عملية إحلال الأمن أو راعية لمباحثات أو تفاهمات.

لنا نحن أهل العراق، أن نتخيّل موقفنا من مسؤول كبير يصف الحكومة العراقية في أي دورة انتخابية بعد الاحتلال، بحكومة ملائكية، ربما لا ينال حتى السخرية، لأن السخرية درجة قياس على مقياس اليأس، ومن محاسن استتباب الأمن كما جاء على لسان أحد المتحدثين الحكوميين، انخفاض عمليات الاغتيال واعزا ذلك إلى يقظة أجهزة الأمن الداخلي، والحقيقة صارخة في الكاريكاتير، لأنه تمت تصفية أغلب الموضوعين على قوائم التصفيات، وهجرة الآخرين ونجاتهم من الحقد أو المرض العظيم الذي لا يقل بخسائره عن الطاعون الأسود وروايات المدن المنكوبة في القرون الوسطى.

العراقيون والعرب، وأخص منهم الكتاب والمثقفين والمبدعين، يلجأون إما للماضي أو الاستعارة أو الفانتازيا أو التورية في أعمالهم الأدبية والفنية، ليتجنبوا المجابهة مع القائمين على تزجية الوقت وتسريبه من يد الأجيال لبقاء الحال على ما هو عليه.

الفقر والتشرد صفعات تنال من معظم أنظمة العالم، خاصة في عالمنا العربي، وهو سبب نشوء الأحزاب والحركات السياسية، وولادة المعارضة السلمية والمسلحة، ومعظم الثورات الإنسانية ودعوات التحرر وقودها الفقر وفقدان لقمة العيش نتيجة لسوء إدارة الاقتصاد أو قلة الموارد والبطالة.

أوَجهُ أنظار المنظمات الإنسانية الفاعلة لتقصي الحقائق عن أعداد الفقراء والمشردين منهم ومن يشملهم التعريف العالمي لمن مستواهم تحت خط الفقر، وكم أعداد ما يُعرف بأطفال الشوارع الذين بلا مأوى ويلجأون إلى الزوايا المظلمة، أو الأنفاق المهجورة في مدينة مثل بغداد، وهذا موضوع تهتم به وسائل الإعلام العالمية لأنه مؤشر خطير على الأداء السياسي والاقتصادي في كل بلد، ونتجنّب الخوض بما يخزي ويجرح ويثلم كرامتنا.

الرقم يتجاوز المليار إنسان في العالم بلا مأوى أو ضمانة طعام، ومنهم نسب كبيرة تتدبر أمرها بمعزل عن أي مساعدات حكومية داخلية أو مساعدات خارجية أممية.

أميركا التي جيّشت أساطيلها وكل أسلحتها وأغدقت الأموال لتحتل العراق، هزت اقتصادها وشردت الآلاف من مواطنيها بلا عمل أو مأوى وتركتهم في أبشع صور الإذلال وحطت من كرامتهم، وعدد المشردين يتجاوز الثلاثة مليون شخص في الولايات المتحدة، وأرجو الانتباه إننا نتحدث عن المشردين لا عن الذين يعانون من الفقر المؤقت.

روسيا، التي تتزاحم مع أميركا على تقاسم السلطة والنفوذ وإشاعة الخراب في تنافس عسكري وسياسي، تحتضن عاصمتها هي الأخرى أعدادا من المشردين تنافس واشنطن وتتفوق عليها.

الحالة السورية، كانت تنذر بسوء الأحوال واحتمال التجرؤ على الواقع والاستسلام وانتظار الإصلاح، لكن هكذا تجري الأمور في بلداننا، فبدلا من القضاء على الفقر والجوع بالتنمية الواعدة والاستثمار في التعليم والصحة والصناعة والزراعة والاستجابة إلى التغيير، لجأ النظام إلى القضاء على الفقراء وليس الفقر، والتخلص منهم وسط حماسة المريدين لسحق الأصوات والأجساد وأيضا سحق المعارضة السياسية والمعارضين.

كانت الأحزاب التقدمية العربية تحلم بالوحدة بين شعوبها وحدثت الثورات المضادة للاستعمار، وناضلت الشخصيات والعديد من القادة لتحقيق الأمل المنشود، لكنها كانت تصطدم بالحواجز والموانع والإرادات والنزعات الفردية وفشلت التجارب الوحدوية لأسباب مختلفة، منها الفوارق الاقتصادية وعدد السكان والموارد وتوزيع الثروات، وحق العمل في دول الوحدة، وتنقل رأس المال، ورغبة العيش في الأرض المفتوحة.

لذا، شاهدنا الجوع في بلداننا ونهب الثروات وفشل الخطط الإنمائية، وحتى عندما حاول بعضنا الاستقلال في اقتصاده والتحرر من الشركات الاستعمارية، جابهته المشاكل الخارجية التي كلفت شعوبنا في فترات معينة استنزاف الطاقات البشرية والمادية في حروب أودت في نتائجها إلى غياب القرار الوطني واستيراد نماذج حكم انفصلت عن الشعب ولم توفر له سوى الانقسام والفقر والتهجير والتشرد ونبذ الرغبة في الحياة.

المشهد العام للفقر، في العراق مثلا، نلمسه في الفساد المالي والإداري وتهريب الأموال وغسيلها وانعدام الصلة بين الشعب والسلطة، واللامبالاة بمصير حياة الملايين وتركهم إلى الإرهاب المتنوع، وحصّنت نفسها داخل أسوار متعددة محتمية بالسفارة الأميركية، والشركات الأمنية الخاصة، وطوق أمني من الدبابات والأسيجة الكونكريتية والإلكترونية، وتدخلات دولية واستخبارية وتحالفات إقليمية، ونزوع في تنمية الطقوس الدينية والمذهبية، واستثمارها في تطويع نسبة كبيرة من أبناء الشعب إلى غاياتها الانتخابية وتلميع قبح صورتها السياسية.

كانت في بلداننا طبقة متوسطة، فيها كل سمات الحياة من علم وفن وأدب وتربية ورغبة في التطور والتواصل مع التقدم، تحد من غناها وترتقي بفقرها لتتوسط في عدالة ومساواة وحرية وآمال ديمقراطية لأحزاب يثق فيها الشعب تكونُ له صوتا معبرا عن لسانه ورغبته في التخلص من تبعية المستعمر والجوع. مع الأسف، مازلنا بين مستعمر وحرامي وجوع.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر