الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

لماذا منبر الحسين اليوم في قبضة صفوية يزيدية

الحركة الصفوية حرصت على تعطيل أو تبديل الكثير من الشعائر والسنن والطقوس الدينية وإهمال العديد من المظاهر الإسلامية المشتركة بين المسلمين.

العرب علي الأمين [نُشر في 2015/10/27، العدد: 10079، ص(8)]

هو تشويه وقتل للإمام الحسين باسم الولاء له. هكذا يتحول الإمام الحسين في أيامنا العربية هذه إلى رئيس قبيلة، وتفرغ ظاهرة إحياء عاشوراء من مضمونها الإنساني ومن خطّها في المسار الإسلامي العام، لتصير مساحة قبلية جاهلية ومذهبية ومساحة لتعزيز الخرافة وخطاب العصبية. فعندما نعجز، عبر إحياء عاشوراء بشعاراتها ومظاهرها ومضامينها، أن نوصل البعد الإنساني لنهضة الحسين إلى من هو خارج القبيلة، إذن هو إحياء لا يعوّل عليه. بل هو يعيدُ قتل صاحب الذكرى وأهل بيته وأصحابه، مرة ثانية. ذلك أنّ كل فكرة إنسانية تعجز عن تقديم نفسها بما هو أعمّ من خصوصيتها، تموت. وكما قال أحد الفلاسفة، أن كل من يخصص المبدأ الأخلاقي ويخصّه بطائفة أو قبيلة، هو بالضرورة ينفي الصفة الأخلاقية عن هذا المبدأ. هكذا نذهب بنهضة الحسين إلى العصبية والقبلية، وهكذا يصير الحسين زعيم قبيلة.

وعندما تصبح، عملياً، مشهدية منفرة ومستفزة للآخر المختلف عقديا أو مذهبياً، هكذا يهتك الحسين، خصوصًا عندما يتحول منبره إلى منبر لتوجيه رسائل التهديد، وللتوظيف السياسي الحزبي الضيّق، ومنبرا للدفاع عن نظام بشار الأسد، وعن “أبو علي بوتين”، عن نظام الإجرام هنا وهناك، حينها نُفقد الظاهرة الحسينية أريحيتها الإنسانية.

يفسر المفكر علي شريعتي في كتابه “التشيع العلوي والتشيع الصفوي” تركيز أجهزة الدعاية الصفوية على نقاط الإثارة والاختلاف والفصل المذهبي والاجتماعي والثقافي بين السُنّة والشيعة. ويقول إن الحركة الصفوية حرصت على تعطيل أو تبديل الكثير من الشعائر والسنن والطقوس الدينية وإهمال العديد من المظاهر الإسلامية المشتركة بين المسلمين. ويضيف بأن مراسم اللطم والتطبير وحمل الأقفال ليست فقط دخيلة على المذهب ومرفوضة من وجهة نظر إسلامية، بل هي تثير الشكوك حول منشئها ومصدر الترويج لها. ويؤكد شريعتي أن هذه المراسم تجري بإرادة سياسية لا دينية، وهذا هو السبب في ازدهارها وانتشارها على الرغم من مخالفة العلماء لها، وقد بلغت هذه المراسم من القوة والرسوخ بحيث إن كثيراً من علماء الحق لا يتجرأون على إعلان رفضهم لها، ويلجأون إلى التقية في هذا المجال.

لقد شكلت نهضة كربلاء، باعتبارها حركة إصلاحية في تاريخ الإسلام، مصدر إلهام لكثيرين خرجوا على السلطات الظالمة في الحقبات التاريخية اللاحقة. ولأن نهضة الحسين ذهبت إلى تثبيت البعد القيمي والجوهري لدور الدين في حياة الناس، فقد تجاوزت البعد المتصل بجموع المسلمين، لتتحول إلى نموذج إنساني أثّر في كثير من أبناء الديانات والعقائد غير الدينية، تأثيرا تجاوز الدائرة المذهبية، بل الدائرة الدينية، بسبب انحيازه لقيم إنسانية خالصة تتمثل في الإيثار والتضحية والشجاعة والعدل ورفض الظلم، والصدق، والانحياز للمبادئ الواضحة ورذل الإغراءات في سبيل تحقيق المبادئ.

فاليوم تتحول العديد من مجالس عاشوراء، بتوابعها كلّها، إلى ظاهرة غير قابلة للهضم، وعاجزة عن الوصول إلى الآخر المختلف، مذهبيا ودينيا، أو الإنسان عموماً، وعندما يكون من يقيم هذه الاحتفالات غير معني أصلاً بإيصال المضمون الإنساني لهذه النهضة إلى الآخر، بل تتحول وظيفته إلى شد العصبية المذهبية والقبلية التي قتل الإمام الحسين بسيفها، حينها يكون السلوك قاتلا للظاهرة الحسينية. “الحسين الكوني” هو الذي يصل إلى كل إنسان فيمسّ وجدانه وعقله، ويعلي من البعد الإنساني في الخيارات والسلوك والتفكير لديه. أما الحسين في بلادنا اليوم فليس أكثر من زعيم قبيلة قتل في حرب ويبحث أبناؤه وورثته البيولوجيون عن انتقام عصبيّ. وعلى أبناء القبيلة أيضاً أن يختزلوا الحسين بالعصب وأن لا يقاربوا مشهديته بالعقل والوجدان.

النهضة الحسينية موقف إصلاحي في المسار الإسلامي العام. فالحسين قتل قبل تأسيس مذهب الشيعة بأكثر من أربعة قرون. وشكّل في التاريخ الإسلامي مشهدية الرفض المطلق للظلم، ومثّل مشهدية الحق كلّه في وجه الباطل كلّه. هو مشهد لا لبس فيه ولا مكان فيه للمخالطة بين الحقّ والباطل. لذا كانت لهذه المشهدية نهضة مِدادها في الثورات والانتفاضات لدى فئات متنوعة من المسلمين، ولدى غيرهم ممن وجد ضالته في الوقوف في وجه الظلم على امتداد التاريخ.

المتحدثون الرسميون باسم مجالس عاشوراء اليوم هم المتحدثون الرسميون باسم الخطاب اليزيدي، ذلك أنّ ما يجري في هذه المجالس هو إعادة إنتاج شخصية الحسين، لكن مع تحميلها وظائف أخرى. فإذا لم يستطع غير الشيعي، أو حتّى جزء من الشيعة، أو السنّة أو المسيحيون أو الدروز، وحتى الملحدون، أن يجدوا أنفسهم في مظاهر إحياء عاشوراء وخطابها، فهذا إحياء للعصبية. فكيف حين ينفر هؤلاء من تلك المراسم… وتستفزّهم؟

لأّنها رمزية لا تحتمل المخالطة مع أي مشهد ظالم، فإنّ سلطة يزيد بن معاوية هي التي خلطت الحق بالباطل. فالسلطة الأموية هي من قالت للرعية “أنا أطعمكم وأعطيكم، وأشارككم غنائم الفتوحات، وأنا من أقاتل الروم، لكن إياكم أن تنازعوني ملكي، فيكون حالكم كحال حجر بن عديّ الذي دفن حيّا بأمر من الخليفة”. أذكر قبل نحو 12 عاما، قبل وفاة المؤرخ المسلم الشيعي حسن الأمين، صاحب “دائرة المعارف الإسلامية الشيعية”، وجامع ومؤلف “أعيان الشيعة ومستدركاته”، قال لي “هل تعلم أنّ أهمّ من كتب عن الإمام علي والإمام الحسين وغيرهم من أئمة الشيعة هم من غير الشيعة، من عبدالرحمن الشرقاوي وبولس سلامة والشيخ عبدالله العلايلي ومحمود عباس العقاد وجورج جرداق”؟ وذكر غيرهم… لكّنه استدرك بأنّ “كتاب ثورة الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين هو الكتاب الوحيد والمعتبر الذي كتبه مسلم شيعي”.

هكذا كان الحسين قبل عقود، أما اليوم فالمنبر الحسيني في قبضة صفوية يزيدية.

صحفي لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر