الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

ضحايا خيبة الأمل.. دواعش وكارهون للحياة

يصعب أن تجد أحدا من الدواعش أو كارهي البشر وقد اكتمل له مشروع، ربما يدفعه الفشل في 'التحقق' إلى ادعاء زهد الفقراء، وما هو من الزاهدين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/10/27، العدد: 10079، ص(9)]

بشّر الدين بثورة تحرير شاملة، راهنت في نجاحها على فكرة “الأمل”، في تغيير يصنعه ويتمتع بثماره جموع الشعب من المستضعفين في الأرض. رأى الذين لم يحظوا بالشهادة كيف تحققت تضحياتهم ولم تذهب سدى، وقد تجسد “مشروع” وهبوا حياتهم له متخذا هيئة “دولة”. في وقت قصير صار العبد مقاتلا، وأحيانا قائدا لجيش يبشر بالعدل، وتحت قيادته يسمع ويطيع الأكبر سنا ممن كانوا سادة أبويه.

أحدث الدين انقلابا شمل التراتب الطبقي والعلاقات الاجتماعية وأنماط الإنتاج، فأغناهم هذا “التحقق” عن الانتقام من بني أمية مثلا، وما كان للنبي أن يترك أبا سفيان وابنه معاوية فريسة للأحقاد مع انتهاء مجد قريش وإعلان صعود “الدولة الجديدة”، فعاجله بتصريح سياسي يرضي بقايا الغرور وحميّة الجاهلية الأولى “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”، وتبدو تلك الكلمات تحصيل حاصل إذا ما اقترنت بالجملة التالية “ومن أغلق عليه بابه فهو آمن”.

الاستغناء الذي يكفله “تحقق” شخصي، أو “تحقق” عام أسهم فيه الفرد بنصيب، يجعل الإنسان السويّ فوق الآخرين، ليس استعلاء، ولكنه شعور الرضا عن إنجاز ما، يمنح صاحبه اكتفاء وتعففا دائما، أو زهدا مؤقتا ينقذه من بعض الفتن. نجا جمال عبدالناصر من فتنة المال فعاش متقشفا، ونجا غيفارا من فتنة السلطة فسعى إلى تحرير إخوته في الإنسانية، وفي الفتنة الكبرى تنازل الحسن بن علي عن السلطة لعدو أبيه حقنا للدماء، وحسنا كان اختياره التنعم بالنساء.

كان عمر بن الخطاب يعي أن “القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء”، فمال إلى بقاء الصحابة في المدينة وألا يشاركوا في الخروج، خشية أن تفتنهم الدنيا. فطنة ربما رأى فيها البعض آنذاك شيئا من القسوة، ولكن الوقائع التالية أثبتت بعد نظر عمر.

غواية السلطة والمال فخ ينزلق إليه كثيرون، محاربون وزهاد قدامى، عمرو بن العاص وعبدالملك بن مروان، أما غواية النساء فتجعل صاحبها مطمئنا بالحب متصالحا مع الدنيا ومحبا للناس. ويصعب أن تجد أحدا من الدواعش أو كارهي البشر وقد اكتمل له مشروع، ربما يدفعه الفشل في “التحقق” إلى ادعاء زهد الفقراء، وما هو من الزاهدين.

خيبة الأمل في اكتمال “المشروع”، إن وجد، تذهب بصاحبها إلى الاكتئاب والانعزال والهزيمة النفسية وامتهان كراهية الحياة، وقد تجعل منه قاتلا. لم يسجل ورثة حسن البنا أن ميليشيا النظام الخاص قتلت عدوا للوطن من جنود الاحتلال البريطاني أو عملائه، ولكن أعضاءها قتلوا مصريين، وكان من ضحاياهم أعضاء زملاء في الميليشيا التي أسسها عبدالرحمن السندي. عزل السندي في خلاف إخواني، فامتد القتل إلى سيد فايز، أحد صقور الحرس الجديد في التنظيم السري. تلقى عام 1953 علبة حلوى ملغومة بالديناميت، أرسلها الحرس القديم، فقتل هو وشقيقه ذو السنوات التسع.

أما سيد قطب الذي بشر الإخوان المسلمين، وأنذرنا، بأن “الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء” فكان يمكن أن يتخذ مسارا آخر ويكمل طريقا بدأه بالنقد الأدبي، أو بعمل وظيفي مرموق في “خدمة” ثورة 23 يوليو 1952 التي كان أكثر حماسة لها. حرص الضباط الشبان على أن تكون الثورة بيضاء، ولكن قطب بعد أقل من ثلاثة أسابيع كتب مقالا يحرض على إعدام من يعترض “فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب”. كان ينتظر منصب وزير المعارف أو مدير الإذاعة، مراعاة لصداقة قديمة، ولو فعلوا لاتقوا طاقة غضبه، وشرورا شملت أركان الدنيا بعد نصف قرن من رحيله.

وقع الرجل العليل الذي يعيش برئة واحدة تمد جسده بالهواء تحت وطأة الإحساس بظلم مضاعف، من ضباط ثورة 1952، وقبلهم من عباس العقاد. كان سليمان فياض يتردد على سيد قطب، ويجلسان تحت شجرة في حديقة بيته طويلا، ويسجل أنه، رغم انصرافه عن النقد الأدبي، ظل يشعر بالمرارة من سلوك العقاد. كانوا يلقبونه بتلميذ العقاد “كنت له تلميذا محبا، وكنت أقدم له كتبي، فيثني علي ويقربني منه، حتى طلبت منه ذات يوم أن يكتب مقدمة لكتاب لي، يقدمني به للناس، فأبى ذلك على نفسه وعلي، وشعرت بالغيظ… فجفوته وجفاني وهجرت مجلسه”، وأطلع سليمان على صور يغيب عنها محمد نجيب، وسيد قطب واسطة العقد بين الضباط “تحت هذه الشجرة، كان الضباط الأحرار يعقدون بعض اجتماعاتهم معي، في فترة التمهيد للثورة”. في زيارة أخرى سأله سليمان عن سبب انضمامه إلى الإخوان، فقال “في الناس وحوش، ولا يوقف وحشيتهم بالوجدان سوى الدين، ولا يجرئ الضعفاء عليهم سوى الدين”.

في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” يميل قطب إلى النزوع الاشتراكي للإسلام، وبعد مرور 50 يوما من قيام الثورة “9 سبتمبر 1952” صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد ملكية الإقطاعيين للأراضي، وتم توزيع الفائض على فلاحين تملكوا للمرة الأولى أرضا كانوا يزرعونها بالسخرة طوال أجيال. لكن هذا التطبيق العملي لكتابه، وللجوهر الاجتماعي الاقتصادي للدين، لم يشفع للثورة عنده، لأن مكاسب الثورة لم تمسه شخصيا، فكانت مواقفه العكسية، في عنفها وعدائها للثورة التي لا يعنيه الآن تحقيقها لعدالة كان ينادي بها، قدر ما يهمه أن صناعها لم يردوا إليه ما يرى أنه “جميل”، فانتهى ربيع العلاقة وبدأ الشقاق، وقاد الرجل الدعوة إلى تزيين طريق الدم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر