الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

العمر الطويل

في الظلام ومع التنفس البطيء تمر الدقيقة مرور عشر دقائق، ربما هو الملل، ولكن ما العيب في الملل إنه يطيل العمر.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/10/27، العدد: 10079، ص(24)]

عندي نظرية جديدة ووصفة ناجعة لإطالة العمر بمقدار ما لا يقل عن أربعة أضعاف. يمكن أن تمط الخمس دقائق وتجعلها نصف ساعة بسهولة. ولك أن تحس أنك عشت دهرا وأنت لم تعش غير بضع ساعات. إحدى طرق بلوغ هذا الزمن المطول هو القنوت دون أفكار. مثل الرهبان البوذيين. يجلسون دون أي تفكير ودون حركة فتمر الدقائق وكأنها ساعات. ولمن يستثقل أن يصبح راهبا بوذيا، ولا ألومه، فعليه أن يجرب استنشاق البخار من إناء فيه ماء مغلي وفوق رأسه فوطة حمام تغطيه وتضعه في ظلام دامس بحيث لا يرى حتى طاسة الماء. في الظلام ومع التنفس البطيء تمر الدقيقة مرور عشر دقائق. ربما هو الملل، ولكن ما العيب في الملل. إنه يطيل العمر.

كنا في المدارس نحضر دروسا لمعلمين مضجرين. كل هذا انتهى للأسف وصارت المناهج الدراسية أكثر تسلية وإشاعة للبهجة بحيث يتخرج التلميذ غير مستعد للحياة. سينهار مع أول اجتماع في العمل حيث يجتمع الموظفون ويتحدث كل منهم ظانا أنه يقول أشياء ذكية وساطعة في حين يروي أفكارا مملة وخابية، والتثاؤب ممنوع. المدرسة يفترض أن تعد التلاميذ للحياة، والضجر جزء منها. أعطني تلميذا حضر دروسا مضجرة وسأعطيك رجلا مؤهلا لخوض تجارب الحياة وعلى رأسها عدم التثاؤب في الاجتماعات ومحاولة إبداء الاهتمام بما يقال، مثلما كان يفعل في المدرسة.

وبهذا يتوجب إعادة الضجر إلى الصفوف والمدارس.

ينبغي أن تعود الدروس مثل الزمن الأول لا غرافيك فيها ولا صور ملونة، بل كلاما رتيبا وسبورة سوداء وطباشير أبيض، فالطباشير الملون بدعة لا تليق بالسأم المطلق في الدروس. وينبغي أيضا مكافأة المعلم المضجر.

الضجر لا يقتصر على الاجتماعات. عندي صديق لم أره منذ سنين كان يطيل عمري لعقود. جلوس ربع ساعة معه يعادل سنة كاملة. في الربع ساعة الواحدة تتعاقب فصول ويأتي الخريف وتتساقط أوراق الأشجار ويأتي بعده شتاء ثم يزهر ربيع يليه صيف جميل. يعيد الكلام ويقف عند تفصيلات هي الملل نفسه ويراجع نفسه ويخطئها ويصححها في دورة مكرورة. أبسط مقطع من حكاياته يستحيل إلى تجربة سماع قاسية. يعني بعد تفصيلات مملة عن لقائه بصديقه حميد في مقهى يقول “وجاء النادل ومسح الطاولة ورفع ما عليها من أكواب الزبائن الذين كانوا قبلنا جالسين على نفس الطاولة. وطلب حميد قهوة، لا. لم يطلب قهوة، طلب شايا”… الخ.

أذكر أنني قرأت منذ سنين عرضا نقديا لإحدى أوبرات فاغنر لناقد ذكي وشيطان. افتتاحية الأوبرا مملة فعلا وبطيئة. أظن الأوبرا هي لوهينغرين وليس غيرها. ومن يريد أن يسمع مقدمتها سيجدها على يوتيوب بإسم Lohengrin prelude.

يقول الناقد “في الثامنة بالضبط بدء العزف. وكان عزفا رائعا منسجما تستسلم له ويأخذ بقيادك وينسيك كل شيء. وبعد ثلث ساعة من الأداء السامي نظرت إلى ساعتي فوجدتها تشير إلى الثامنة وخمس دقائق”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر