الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

عائدون إلى وطن مازال وطنا

فالبلد الأم.. الآن.. بكل معطياته التي جعلته يتركه غير آسف.. بدا له أشبه بالفردوس المفقود.. رغم أنه لم يكن قد مرّ على وجوده في ألمانيا أكثر من خمسة أشهر.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/10/28، العدد: 10080، ص(21)]

طبعا ثمة برد.. رغم أننا على أعتاب أول الشتاء والقادم أسوأ بلا شك.. ولم تعد الرحلة المضنية التي كانت مقامرة وضع حياته على عاتق رعبها ونجا منها بأعجوبة لتجعله يقاوم أكثر.. لن تأخذه العزة بالإثم.. فكفة كرامته بدت له أرجح بكثير من كفة مواجهة المجهول الذي لن يستطيع أن يتكهن بما سيأتيه به من ألم.. وصارت قدرته على الصبر والتحمل تئن وتتوجع تحت وطأة انتظار المزيد..

فالبلد الأم.. الآن.. بكل معطياته التي جعلته يتركه غير آسف.. بدا له أشبه بالفردوس المفقود.. ورغم أنه لم يكن قد مرّ على وجوده في ألمانيا أكثر من خمسة أشهر.. إلا أن معطيات القادم الأفضل لم تعد تـُرى على المدى القريب.. وصار لزاما عليه أن يرفع راية استسلامه ويعود أدراجه من حيث أتى..

لست أهذي يا سادتي.. ولست بصدد كتابة رسالة “تعبوية” إلى ذلك الشاب العراقي الضائع الذي حمله اليأس لأن يحلم بحياة أكثر إنسانية.. وقرر أن يركب البحر ويتجشم الأهوال ليصل إلى حيث الجنة الموعودة.. ولكنني أصف حالة شخص بعينه وأخبارا تناقلتها الألسن وبعض وسائل الاعلام عن الهجرة المعاكسة التي بدأت تستشري بين النزلاء العراقيين في مخيمات اللجوء الألمانية تحديدا.. بعد أن وصلت أعداد المهاجرين هناك إلى أرقام قد تؤلف بمجموعها مدنا كاملة أو دولة جديدة تعلن استقلالها على كوكبنا الأرضي.. دولة قوامها مهاجرون ضاقت بهم البلاد ولفضهم الأخوة وحاصرهم الموت أو اليأس أو البؤس والعوز..

مهاجرون من كل مكان.. فليس المواطنون السوريون والعراقيون وحدهم من سكن تلك المخيمات.. فثمة مغاربة وليبيون ويمنيون وأفارقة وألبان وشرق أوربيون.. وبشر من كل الجنسيات التي تعاني بلدانها من نقص الأمل..

ولأن ألمانيا وحدها لن تكون الأمل.. ولأن الطريق إلى تحقيق الأمل لن يكون مفروشا بالورود والموسيقى.. ولأنه لن يتحقق في فنادق ذات سبعة نجوم.. فإن من غادر أرضه لأي سبب سوى الموت.. قد لا يكون مضطرا للمرور بكل أدوار الاستحالة التي صار لزاما على كل اللاجئين أن يمروا بها في هذه المرحلة العصيبة غير الحاسمة من تواريخ الدمار التي يمر بها العالم اليوم..

في تلك المخيمات بدأت تظهر جماعات تفتعل المشاجرات لتغادر أسرع.. فمن يتعرض للضرب أو الإهانة قد يستعجلون البت في أمره فينجو قبل سواه.. لأن الكثير من مواعيد المقابلات التي ستبت بقضايا اللاجئين قد تمتد إلى النصف الثاني من العام القادم..

ابتدأ بعض الأفراد بالتململ لتلحق بهم جماعات توجهوا إلى السفارة العراقية في برلين وطلبوا إعادتهم إلى العراق مرة أخرى بعد أن كانت قضاياهم قد أقرت وتم اعتبارهم لاجئين رسميين منذ زمن.. مما أفقد المتقدمين الآخرين مصداقيتهم.. وصار العراقيون تحديدا تحت دائرة الشك.. فتزايدت أعداد اليائسين من البقاء.. فقد يطول الانتظار وتطول المعاناة وفي نهاية المطاف يواجه طالب اللجوء الرفض.. ويضطر للعودة بعد أن يكون قد خسر الكثير..

ليست هذه قصة وليس ما أحكيه خيالا علميا. لكنه الواقع مع الأسف.. وبقي أن أقول إن السؤال الوحيد الذي طرحه الشاب على أحد أقاربه بالهاتف هناك “برأيك.. هل ستتحمل السفارة العراقية كافة مصاريف إعادتنا للعراق؟”.

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر