السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

جغرافيا التحولات

في 'المتحف الخيالي' قد تخسر أعظم الأعمال الفنية أهميتها على حساب عمل أنجزه فنان مجهول وهناك سيستطيع الفرد أن يكوّن كنزه الفني قطعة من الأبد الخاص به دون سواه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/10/29، العدد: 10081، ص(16)]

تثابر المتاحف الفنية منذ سنوات عدة على إنشاء تحولات جذرية في هيكلية عملها حتى تبقى صامدة في زمن الافتراضية اللامكانية وحركة النسخ الرقميّ باهرة السرعة وبالغة الدقة لأشهر الأعمال الفنية.

تحوّلت معظم هذه المتاحف العالمية إلى مراكز سياحية- ثقافية تدور في فلكها أنشطة مختلفة كحفلات موسيقية وندوات وورشات عمل تهدف بشكل أساسي إلى استقطاب أكبر عدد من الزائرين. كما استحدث القيمون على هذه المتاحف مساحات جديدة ضمن المتاحف أو خارجها تضمّ أعمالا فنية معاصرة لم يمرّ على وجودها على الساحة الفنية أكثر من بضع سنوات. أعمال وجدها عدد كبير من النقاد غير جديرة بمتحف عالمي ولا حتى بصالة فنية محلية.

تتالت الانتقادات اللاذعة لتلك المتاحف بسبب احتضانها للعديد من الأعمال الفنية التي لا تتوفر فيها شروط القيمة الفنية المتعارف عليها. وكثر الكلام عن العديد من الأعمال الفنية العربية المعاصرة وعن عدم جدارتها، وبالتالي عدم جدارة المتحف الذي شملها برعايته.

غالبا ما كانت الاتهامات تتمحور حول كون الأعمال لا تمثل أصالة الارتباط بالجذور العربية أو أن أصحابها لم يتلقوا الدراسة الأكاديمية الفنية. كما أن عددا من النقاد لم يتورّع عن ذكر “الراحة المادية” التي قد يتمتع بها الفنان كدليل على هشاشة عمله الفني.

أما الحقيقة فربما هي في مكان آخر؛ فاستخدام تعابير من قبيل “أصيل” و”راق”، و”رزين” وغيرها من التعابير لم تعد المفاتيح التي تُدخل الناقد إلى عالم اللوحة العربية المعاصرة. فما يدخله إليها هو حيوية ارتباطها بالحاضر المأزوم أو نزوعها إلى عالم نقيض لا يمتّ إلى الواقع بصلة إلاّ بخيط واحد: خيط الغرابة الذي يشي بشيء ما مغاير وكامن خلف ورديتها.

يبدو أن الأزمة الحالية هي في النظرة إلى العمل الفني؛ ربّما يجب أن يتغيّر أسلوب نظرة الناقد إلى العمل الفني بمعزل عمّا اكتسبه من الكتب، ومن أعمال كبار الفنانين السابقين. فمن طبيعة الفن أن لا يكون متواطئا مع الحقائق الراسخة والمسلمات المطمئنة، لأنه من طينة القلق والتحولات المتواصلة. فأية معايير يمكن للناقد الفني أن يعتمد عليها اليوم لكي يتحقق من جدارة عمل ما؟

كيف يمكن للناقد التشكيلي أن يرى العمل الفني المعاصر خارج زمنه ومكان ولادته وكأن شيئا ممّا انبثق عنه العمل الفني لا يحدث حقا؟ ما يحدث كاف لقلب المعايير الفنية كلها. وما يحدث في العالم العربي يهدّد بسلخنا كليا عمّا اعتدناه لسنوات سبقت: قليل من السلم وكثير من السذاجة في نظرتنا إلى المستقبل.

كيف يمكن للناقد الفني أن يعيد صياغة نص نقدي غير مجحف في حق ما يراه من أعمال فنية، وهو يُهمل رؤية تشظيات المجتمعات العربية التي أصبحت الحاضنة البيئية لحياته كناقد ولحياة الفنانين اليومية؟

إنه زمن التحولات الجغرافية؛ لا الأرض التي يقف عليها الناظر إلى اللوحات هي أرض ثابتة ولا اللوحة التي صنعها الفنان واضحة المعالم.

يحيلني هذا “التعصب”، ضدّ الأعمال الفنية المعاصرة لصالح المكرسات الفنية، إلى نقيض مؤلف وضعه سنة 1947 أندري مالرو، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنتين.

قدم الروائي الفرنسي في مؤلفه “المتحف الخيالي” أفكارا سبقت زمنه بكثير عمّا يجب أن يحتضنه المتحف في أرجائه. حسب رأيه أن المصادر التي انبثقت منها الأعمال يجب أن تكون حاضرة فيه، وإن كانت أشياء تافهة في نظر الآخرين، كذلك يجب أن يضمّ ما سماه بـ”اللوحات المتحوّلة” التي تؤكد بأن “ليس الفن إلاّ كل ما يخالف تاريخ الفن”. وأيضا يعتقد أندري مالرو أن المتحف يجب أن يرعى التجاذبات والتنافر اللذين يثيرهما حضور أعمال متباعدة زمنيا وفكريا وفنيا. كما يجب أن تسطع القراءات المستنيرة، ولكن الشخصية، للأعمال الفنية.

في متحف أندري مالرو الخيالي سيستطيع الزائر أن يناصر أعمال تخاطب خياله، حتى وإن كانت تافهة بالنسبة إلى الآخرين. في “المتحف الخيالي” قد تخسر أعظم الأعمال الفنية أهميتها على حساب عمل أنجزه فنان مجهول، وهناك سيستطيع الفرد أن يكوّن كنزه الفني، قطعة من الأبد الخاص به دون سواه.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر