الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

هل انتهى داعش كنقطة جذب للمقاتلين

تركيا قررت الخروج عن سياسة التسامح تجاه المقاتلين الأجانب الذين يتقاطرون على أراضيها، ما شكل عنصرا من عناصر وقف المدد الذي يتجه إلى تنظيم داعش وباقي التنظيمات.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/10/31، العدد: 10083، ص(8)]

بدأت تبرز مجموعة من المؤشرات على تراجع أعداد المقاتلين والمجندين المغاربيين في صفوف تنظيم “داعش” أو”الدولة الإسلامية في العراق والشام” التي أنشأها، وفي صفوف تنظيمات جهادية أخرى في سوريا والعراق، وعلى الأخص المقاتلين الذاهبين من المغرب وتونس، لتبدأ المعادلة في الانقلاب بعد سنوات من اندلاع القتال وبروز الجماعات المسلحة التي تعيش انقساما ما بين القتال في ما بينها، من أجل الهيمنة على الساحة العسكرية وضمان السيطرة السياسية لدى احتمال انتهاء الصراع، والقتال ضد النظام السوري، المدعوم من إيران وحزب الله الشيعي الموالي لطهران.

احتل التونسيون والمغاربة صدارة المقاتلين الأجانب في صفوف هذه الجماعات المسلحة، منذ بداية الصراع؛ وقد شكل ذلك مفارقة واضحة استرعت الباحثين والمهتمين بمشهد الجماعات المتطرفة. ذلك أن تونس كانت البلد العربي الذي انطلقت منه شرارة ما سمي بالربيع العربي عام 2011، ووصلت فيه حركة إسلامية هي حركة النهضة إلى السلطة بعد سنوات من الملاحقة من طرف النظام التونسي السابق، ومع ذلك تصدرت تونس قائمة البلدان التي تضخ المقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة، حيث وصل عدد التونسيين في هذه الجماعات إلى خمسة آلاف شخص، متبوعة بالمملكة العربية السعودية ثم المغرب، وبعد ذلك فرنسا وألمانيا ثم الجزائر، فيما غابت ليبيا عن سلم الترتيب، بالنظر إلى تفجر الوضع الأمني فيها وظهور جماعات مسلحة عدة، كانت بحاجة إلى تغذية نفسها من مقاتلين من أبناء البلد.

أما المغرب فقد كان البلد العربي الوحيد الذي عبر محطة الربيع العربي بأقل تكلفة، بسبب شرعية المؤسسة الملكية التي سارعت إلى التعاطي مع الاحتقان الاجتماعي في الوقت المناسب، من خلال طرح مبادرة ملكية للحوار حول الدستور الجديد وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، ساحبة بذلك أي فرصة للركوب على التوتر الاجتماعي والسياسي من لدن أي طرف من الأطراف، سواء كان من الداخل أو من الخارج.

وحسب المركز الأميركي للدراسات الأمنية (سوفان غروب)، فقد سجل عدد المغاربة المقاتلين في صفوف تنظيم داعش تراجعا ملحوظا، بعدما كان عددهم يتراوح في العام الماضي ما بين 1500 و2000 شخص، حسب تصريحات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية ووزارة العدل والحريات، هذا ناهيك عن أعداد المغاربة الذين يلتحقون بساحات القتال انطلاقا من بلدان أوروبية، كما هو الحال بالنسبة إلى فرنسا وأسبانيا وألمانيا وبلجيكا، العشرات منهم لقوا حتفهم في ساحات المعارك، ومنهم من قرر العودة إلى بلده، حث تم الحكم على بعضهم بمدد اعتقال متفاوتة بتهمة التوجه إلى مناطق التوتر للقتال، فيما يوجد آخرون رهن الاعتقال الاحتياطي بانتظار محاكمتهم أو الإفراج عنهم، إذا وجدت لديهم ملفات فارغة. ويؤكد التقرير أن المغرب انتقل من الرتبة الثالثة إلى الرتبة السابقة، في قائمة البلدان المصدرة للمقاتلين، وهذا تحول نوعي.

نفس المؤشرات كان قد أظهرها تقرير سابق لـ”مركز الشمال لحقوق الإنسان”، حيث أكد أن عدد المقاتلين المغاربة في سوريا والعراق سجل تراجعا في الفترة ما بين أكتوبر 2014 ويونيو 2015، إذ انتقل المعدل الشهري لهجرة هؤلاء المقاتلين من 30 إلى 50 شخصا، ليستقر في حدود 16 شخصا كمعدل شهري.

يمكن قراءة هذا التراجع من زوايا مختلفة ومترابطة.

الزاوية الأولى ترتبط ببنية التنظيم ذاته، وهذا يمكن قراءته من خلال التجربة المرة التي عبرها العائدون من ميادين القتال. فقد اكتشف هؤلاء أنهم لم يكونوا يقاتلون من أجل قضية “مقدسة” – كما كان يتم الترويج لذلك عبر مختلف الوسائط – بل من أجل تصفية الحسابات البينية التي تضع التنظيمات المسلحة في مواجهة بعضها، بحيث تصل الممارسات الوحشية إلى أقصى درجة من الميكيافيلية، التي تبيح اللجوء إلى أبشع الوسائل للوصول إلى أسوأ الأهداف.

زد على ذلك أن المقاتلين المغرر بهم اكتشفوا من خلال تجاربهم اليومية أنهم وضعوا في خدمة فئات معينة في القيادة العليا للتنظيم، لديها أجندتها الخاصة سياسيا واقتصاديا، وأن الدين وضع تعلة من التعلات التي يتخذها هؤلاء مطية لتحقيق غاياتهم.

المقاتلون المغرر بهم اكتشفوا أنهم وضعوا في خدمة فئات معينة في القيادة العليا للتنظيم، لديها أجندتها الخاصة سياسيا واقتصاديا

الزاوية الثانية لها ارتباط بالتحول الذي حصل في الموقف التركي. فبعد التفجيرين الإرهابيين اللذين خلفا ما يربو على مئة قتيل وعشرات الجرحى، وجهت فيهما أصابع الاتهام إلى تنظيم داعش، بات على تركيا أن تغير سياستها تجاه الجماعات المسلحة، وخصوصا “الدولة الإسلامية في العراق وسوريا”، بعد أن كانت تغض الطرف عن المقاتلين الأجانب الذين يتقاطرون على أراضيها كجسر عبور نحو مناطق القتال. لقد اكتشفت تركيا أن محاولتها لعب ورقة التنظيمات الإرهابية لترتيب موقع لها في المنطقة لم تكن ذات مردود، بل على العكس جرت مشكلات أمنية لم تكن تضعها في الحسبان وضعت حكومة حزب العدالة والتنمية في مواجهة الشارع التركي، ولذا يبدو أنها قررت الخروج عن سياسة التسامح تجاه المقاتلين الأجانب الذين يعبرون من أراضيها، ما شكل عنصرا من عناصر وقف المدد الذي يتجه إلى تنظيم داعش، وباقي التنظيمات.

أما الزاوية الثالثة فهي ترتبط بالجانب العسكري. لقد سددت إلى تنظيم الدولة خلال الأشهر الماضية ضربات موجعة جعلته يعيد حساباته من البداية، بحيث تم استهداف بنياته العسكرية التحتية وإرغامه على التراجع عن مناطق كان يفرض سيطرته عليها؛ مضافا إلى ذلك التدخل الروسي الأخير، الذي غير من المعادلة العسكرية في المنطقة، وزاد في شد الخناق على التنظيم. وبالطبع من شأن هذه الضربات أن تشل الذراع العسكرية للتنظيم، وأن تقلص من جاذبيته في أنظار الراغبين في الالتحاق بميادين القتال.

بيد أن هذه المؤشرات غير كافية في اعتقادنا للتسليم بتراجع التهديدات الإرهابية في البلدان المغاربية بشكل خاص، والبلدان التي يخرج منها المقاتلون بشكل عام. فشعور تنظيم الدولة بانشداد القبضة عليه يمكن أن يقوده إلى إحداث تحول تكتيكي في خططه الإرهابية، من خلال نقل عملياته إلى داخل هذه البلدان عبر الأفراد المحسوبين عليه والمقتنعين بمشروعه الجهادي، على طريقة الذئاب المنفردة، وفق أهداف محددة سلفا. كما أن تلك المؤشرات لا تنهض دليلا على تراجع المؤيدين للتنظيم والمعتنقين لأفكاره المتطرفة، بقدر ما تدل فحسب على تراكم معطيات موضوعية تحول بين المقاتلين الراغبين في الالتحاق به وبين الوصول إلى مناطق الصراع، لا عن وجود معطيات ذاتية يقينية لدى المرشحين لاعتناق الفكر الجهادي.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر