الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

في نقد الحداثة

الإنجازات العظيمة التي حققتها الحداثة، لا تعني أنها لم تنتج مشاكل وسلبيات كانت في بعض الأحيان كارثية على مجتمعاتها كالحربين العالميتين وتدمير الطبيعة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/11/03، العدد: 10086، ص(15)]

في ثقافتنا العربية التي لا تزال عاجزة عن تقديم إجابات ناجزة عن أسئلة الواقع الكبيرة والمتقادمة، ثمة من يقفز فوق هذه القضايا الملحة والمعقدة، إلى نقد منظومة القيم الفكرية والفلسفية والاجتماعية، التي قامت عليها الحداثة، كنوع من الترف الفكري الذي يحاول البعض أن يمارسه، إما لتبرير عجزنا عن المشاركة الفاعلة فيها، أو للتعويض عن النقص الذي نشعر به حيالها.

المشكلة هنا لا تكمن في نقد حداثة الغرب، والكشف عن سلبياتها، لأن العديد من فلاسفة الغرب ومفكريه قد سبقونا إلى ذلك، بل في الابتعاد عن الانشغال بالكيفية، التي يمكننا من خلالها أن نكون جزءا من هذه الحداثة، بصورة نستطيع فيها أن نتكيف معها، ونجعلها تتكيف مع واقعنا، دون أن نفقد العناصر الإيجابية في ثقافتنا.

إن هذه المفارقة هي ما يجب أن تحفّزنا على تجديد علاقتنا بالحداثة، وفهمنا لها خارج إطار السجال التقليدي مع الغرب، لأنه لا أحد يستطيع اليوم أن يعيش خارج التأثيرات الواسعة والعميقة لعالم الحداثة ومنجزاتها السريعة، خاصة لمن لم يزل مثلنا، يبحث عن مكان يضع عليه أقدامه الأولى، في هذا المضمار المذهل في تسارع حركته.

فهل يمكن اليوم لأحد أن ينكر الإنجازات الكبيرة التي حققتها الحداثة على مستوى الحقوق المدنية والسياسية، التي دشنت عصر الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، ناهيك عن مستوى الرفاهية والتقدم العالي الذي أنجزته لمجتمعاتها؟ صحيح أن هذه المكاسب ظلت حكرا على شعوبها، لكن تأثيرها تجاوز حدودها إلى أصقاع كثيرة في العالم، حتى أصبحت جزءا من الثقافة والمطالب الإنسانية الملحة.

لكن هذه الإنجازات العظيمة التي حققتها الحداثة، لا تعني أنها لم تنتج مشاكل وسلبيات كانت في بعض الأحيان كارثية على مجتمعاتها كالحربين العالميتين وتدمير الطبيعة، إلا أن المشكلة هنا ليست في الحداثة كمنظومة فكرية وفلسفية غيرت العالم، بل في استثمارها وتوظيفها لإشباع نزعات ومصالح حولت الحداثة، من وسيلة لتطوير حياة الإنسان وإشباع حاجاته المادية والروحية، إلى قوة سيطرة وتملك واستغلال في ظل تغوّل النظام الرأسمالي الغربي وصراعاته.

لقد أنتجت الحداثة كأي ظاهرة إنسانية قيمها ونمط حياتها، وعندما تنتقل منتجاتها ويتم تداولها، فإنها تنقل معها قيمها ونمط حياتها، الأمر الذي يجعل هذه القيم والأنماط الجديدة، من السلوك والمفاهيم قاسما مشتركا بين المجتمعات المختلفة.

هذا الواقع يفترض منا على الأقل أن نستوعب الحداثة من منطلق إبداعي، وليس عبر الاستسلام لها أو هجائها، ما يتطلب تحرير العقل العربي من كل ما يعيق تفتحه، وتوفير جميع شروط الإبداع والحرية والتطور له.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر