الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

شكرا لساعي البريد

في الزمن الجميل منذ آلاف السنين كان الناس يكتبون على الحجر، اليوم يكتبون على الورق وهو خفيف وسهل الحمل ولا يتجاوز وزن الصفحة الغرام أو الغرامين.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/11/03، العدد: 10086، ص(24)]

الكتابة اختراع ناجح جدا. بلغ من نجاحه أن أحدا لا يلاحظه. يعني أنت لا تقول كل يوم وأنت تطالع صحيفة أو تتصفح الإنترنت أو تقرأ إرشادات الطبخ على قفا كرتونة البيتزا: يا له من اختراع عظيم. ولا تنبهر كل يوم بقدرتك على الكتابة والقراءة.

الاختراع الناجح يصير في خلفية الأشياء ولا يلاحظه أحد. كم رأينا في أفلام الخيال العلمي تصورا للمستقبل فيه الكومبيوتر مهيمن ويصدر أوامر للناس وهو بحجم الغرفة. نجح الكومبيوتر بحيث صار شيئا ذليلا مخفيا يقع ضمن ساعة اليد ولا يأبه له أحد، لا يسيطر، بل أليف يمكن أن يلعب معه الصغار، بل ويلعبون به فعلا عبر البلاي ستيشن والتابلت والننتاندو.

لا أحد عاقلا يتوقف ليلقي نظرة انبهار على دواليب السيارة رغم أن العجلة اختراع كبير وعظيم حقا. أنا شخصيا لم ألمس إعجابا بالعجلة، ولم أشهد مدحا في الكتابة وعملية تحويل أفكار شخص ما إلى رموز يفكها شخص آخر.

المشكلة ليست في الكتابة بل إنها تكمن في الرسائل والبريد وسهولة نقل الرسالة حتى الغير إلكترونية من مكان إلى آخر ضمن منظومة تدعى البريد. كل يوم تصلك قوائم وأشياء تشيع النكد بالبريد. في الزمن الجميل منذ آلاف السنين كان الناس يكتبون على الحجر. اليوم يكتبون على الورق وهو خفيف وسهل الحمل ولا يتجاوز وزن الصفحة الغرام أو الغرامين.

أتصور أيام العز والنقش على الحجر وأتمنى أن يعود ذلك الزمن الجميل. أتخيل أن شركة الكهرباء أو مأمور الضرائب وهما يبعثان رسائل يبلغ وزنها نصف طن. والذين يدسون من فتحة البريد في الباب ويرتقون بضعة طوابق ليوصلوا إعلان بيتزا ديلفري وهم يحملون صخرة وزنها ربع طن. أتصور هذا وابتسم بتشف.

البريد أيام الدولة العباسية والدولة الأموية غريب أيضا. يعني الخليفة عندما يجيئه البريد ليس مثلنا. لا يتوقع قوائم كهرباء وغاز ولا حتى بطاقات معايدة. البريد أيامها كان يحمل رؤوسا بشرية مقطوعة للعصاة والمتمردين من الخوارج وغيرهم. وأحيانا يتضمن البريد شاعرا صحيح الجسم أو راوية شعر. يأرق الخليفة أو الأمير محاولا تذكر بقية بيت: يذكر الشطر ولا يذكر العجز. يقول احملوا حماد الراوية على البريد. حماد الراوية سيكون مرعوبا لأيام وليال وهو رسالة محمولة على البغال بين الكوفة ودمشق. لا أحد يعرف ماذا يراد به. تصل الرسالة، التي هي حماد الراوية بشخصه، إلى أمير المؤمنين وإذا به يطلب شعرا لجرير، لا أكثر.

والأمور تسير من سيئ إلى أسوأ. وصارت هناك رسالة لا وزن لها إطلاقا، لا تزن حتى غراما واحدا، تأتي ضمن منظومة بريد يقال لها “إي ميل”. رسالة تصل دون إتاحة فسحة للتنفس بين المرسل والمرسل إليه.

ضمن شوقي للزمن الجميل أتصور رافعة ميكانيكية جبارة تقف أمام بيتي وأنظر إليها من النافذة. الرافعة تحرك ذراعها العملاق وتحمل صخرة ذات ربع طن. وابتسم وأقول جاءت قائمة الكهرباء.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر